المبحث الخامس
شخصية المنافق
للمنافق صفات حِسِّيَّةٌ وأخرى معنوية، تميِّز شخصيته، وتستطيع من خلالها التعرف على شخصيته وكُنْهِه.
أولا: الصفات الحسِّية للمنافق:
• قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) } (المنافقون) .
فقد اشتملت الآية على صفتين:
1 ـ جمال الخلقة، وحسن المظهر: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} .
2 ـ عذوبة الحديث ودماثته: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} ، ولكن ليس ذلك عن علم. إنما عن كذب وجهل بحقيقة الأمور وكُنْهِها {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} ، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) } (الواقعة) .
وهذه صورة لوجهاء القوم. أهل الأبهة والثراء والغِنَى والترف من ذوي الصدارة والمكانة والشهرة بين الناس.
وكانت هاتان الصفتان متمثِّلتين في عبد الله بن أبيِّ بن سلول، وكان سيد قومه، وكان الأوس والخزرج قد ارتضَوه ملكًا عليهم، وكانوا يُعِدُّون العُدَّة لذلك لولا قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان عبد الله (رأس المنافقين) حسن الخلقة، جميل الصورة، عذب الحديث، سيدًا مُهابًا في قومه.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَ: «كَانَ نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيجلس إليه، فيسمع مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل فِيهِ: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... (61) } (التوبة) » [1] .
وهذا الرجل (نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ) كان رجلًا جسيمًا مسترخي الشفتين، ثائرَ شعرِ الرَّأْسِ، أسْفَعَ الْخَدَّيْنِ، أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ، كَأَنَّهُمَا قِدْران مِنْ صُفْرٍ، كَبِدُهُ أَغْلَظُ مِنْ كَبدِ الْحِمَارِ.
ونستخلص من هذا أيضًا صفتين:
3 ـ قبح المنظر كأنه شيطان.
4 ـ الشراسة والغلظة والوحشية (كَبِدُهُ أَغْلَظُ مِنْ كَبدِ الْحِمَارِ) .
(1) تفسير ابن أبي حاتم، رقم (10399) .