فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 129

المبحث الأول

خطورة النِّفاق والمنافقين

قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} :

لقد ذكر الله تعالى لنا في كتابه عداوة الشيطان، وعداوة اليهود، والذين أشركوا.

فقال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) } (يس) ، وقال سبحانه: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... (82) } (المائدة) .

إن المنافقين هم أشد أعداء الأمة الإسلامية، وأخطرهم عليها، فهم يتلوَّنون حسب البيئة، يظهرون بمظهر الأخ المشفق، بينما هم ذئاب في جلد بني الإنسان، يحسبهم الظمآن ماء، يظنهم المؤمن عونًا له، وهم عونٌ عليه، يحسبهم له ناصحين، وهم هلاكه ودماره: ساعون في الأرض بالفساد. قلَّما يخلو منهم مجتمعٌ أو نادٍ، يعملون من وراء الكواليس، ومن خلف الصفوف.

خطورتهم أفظع من أن توصف، وأكبر من أن تتسع لها الصفحات وبطون الكتب. يكفيك قول ذي الجلال والإكرام: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } (التوبة) .

قال الحسن البصري، التابعي الزاهد رحمه الله:

[إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَأْخُذْ دِينَهُ عَنِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ اللهِ عز وجل فَأَخَذَهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَعْطَى النَّاسَ لِسَانَهُ، وَمَنَعَ اللهَ قَلْبَهُ وَعَمَلَهُ. فَحَدَثَانِ أُحْدِثَا فِي الْإِسْلَامِ: رَجُلٌ ذُو رَأْيِ سَوْءٍ زَعَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ لِمَنْ رَأَى مِثْلَ رَأْيِهِ، فَسَلَّ سَيْفَهُ، وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَحَلَّ حُرْمَتَهُمْ، وَمُتْرَفٌ يَعْبُدُ الدُّنْيَا، لَهَا يَغْضَبُ، وَعَلَيْهَا يُقَاتِلُ، وَلَهَا يَطْلُبُ.

وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ! مَا لَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ مُنَافِقٍ قَهَرَهَا، وَاسْتَأْثَرَ عَلَيْهَا، وَمَارِقٍ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا. صِنْفَانِ خَبِيثَانِ قَدْ غَمَّا كُلَّ مُسْلِمٍ.

يَا ابْنَ آدَمَ، دِينَكَ دِينَكَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، فَإِنْ تَسْلَمْ بِهَا فَيَا لَهَا مِنْ رَاحَةٍ، وَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَنَعُوذُ بِاللهِ فَإِنَّمَا هِيَ نَارٌ لَا تُطْفَأُ، وَحَجَرٌ لَا يُبْرَدُ، وَنَفَسٌ لَا تَمُوتُ] [1] .

وما أبدعَ وأشملَ قولَه!!، حيث يقولُ:

[إِنَّمَا النَّاسُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَعَامِلٌ بِطَاعَةِ اللهِ عز وجل، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَدْ أَذَلَّهُ اللهُ تَعَالَى كَمَا رَأَيْتُمْ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَهَهُنَا وَهَهُنَا فِي الْحَجَرِ وَالْبُيُوتِ وَالطُّرُقِ نَعُوذُ بِاللهِ. وَاللهِ مَا عَرَفُوا

(1) صفة النِّفاق وذم المنافقين، لأبي جعفر بن محمد الفريابي، ت: (301 هـ) ، ح (49) ، ص (94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت