الخصلة العشرون
(القدح في أعراض المسلمين، وإيذاؤهم، وتتبع عوراتهم، وتعييرهم، واللمز والهمز، والبذاء)
فهذه سِتُّ آفات من آفات النِّفاق، قريبة المعاني والمباني، وإليك بيانها:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) } إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) } (النور) .
عشر آيات نزلت في بيان حادثة الإفك، وهو موقف مما يتخذه المنافقون من مواقف: يتحدثون بالإفك، ثم يُرجِفون به ويُشيعونه بين المسلمين.
وقصة الإفك وردت في الصحيحين وغيرهما، وهي من القصص التي تدمع فيها العين، ويبكي فيها الفؤاد، حيث تحكي الدور الذي لعبه المنافقون في هذه الحادثة، ولم يكن لها ضحية إلا أم المؤمنين الطاهرة العفيفة (عائشة) رضي الله عنه، وصحابيٌّ بدريٌّ جليل هو (صَفْوانُ بن المُعَطِّل) - رضي الله عنه -، وشارك في هذا الإثم بعض المسلمين، منهم: مِسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت - رضي الله عنهم -.
فشل المنافقون في محاربة الإسلام علانية، وفشلت محاربتهم للمسلمين سرًّا، فلجأ المنافقون إلى أسلحة دنيئة، وحِيَلٍ خسيسة، وأغراضٍ دنيئة، بإثارة الشكوك والرِّيَبِ في بيت النبوة، وآل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله عز وجل جعل في ذلك الخير، كما قال تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} .
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) } (الأحزاب) .
وتتجلَّى مظاهر هذا الإيذاء في السُّخْرية منهم. قال تعالى:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } (التوبة) .
قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ عَيْبِهِمْ وَلَمزِهِمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، حَتَّى وَلَا الْمُتَصَدِّقُونَ يَسْلَمُونَ مِنْهُمْ، إِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَالٍ جَزِيلٍ قَالُوا هَذَا مِرَاءٌ، وَإِنْ جَاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ قَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عن صدقة هذا» [1] .
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 163) .