كما في حديث ابن عمر السابق، قال صلى الله عليه وسلم: { .. وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، ... } . وهذه صفة لا تتفق مع الرجولة، ولا مع الكرامة. يلجأ إليها من ضَعُفَ الإيمان في قلبه، وامتلأ حقدًا وحسدًا وغلًّا. نسأل الله تعالى السلامة من الأخلاق السيئة والأفعال المذمومة.
قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) } (التوبة) .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } (التوبة) .
وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) } (الهمزة) .
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {الحَيَاءُ وَالعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ} [1] .
والبذاء: هو (الفحش) الذي لا يحبه الله، ولا يحبه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يحبه أهل الإيمان.
عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ} [2] .
فالبذاء من اللؤم، حتى ولو كان للأموات.
والبيان: هو كشف ما لا يجوز كشفه، مثل: صفات الله تعالى، فإن إلقاء ذلك مجملًا إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه، إذ قد تثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس (وهذه غاية المنافقين) . فإذا أجملت اطمأنَّت القلوب ولم تضطرب.
وقد يكون البيان مقرونًا بالبذاء، ويشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحيي الإنسان من بيانه، فإنه الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان.
وقيل: إن البذاء يعني أيضا عدم الغيرة.
عَنْ أبي مَرْحومٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله
(1) أخرجه أحمد، ح (22312) ، والترمذي: ك: البر و الصلة، ب: ما جاء في العيِّ، ح (2027) ، وقال: حسن غريب، والحاكم، ح (17) ، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصحَّحه الألباني.
(2) أخرجه الترمذي: ك: البر والصلة، ب: ما جاء في اللعنة، ح (1977) ، وقال: حسن غريب، وابن حبان، ح (192) ، والحاكم، ح (29) ، وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُخَرِّجَاهُ.