• قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) } (البقرة) .
• وقال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) } (آل عمران) .
فالتجسُّس في صدر الأعمال التي يهتمُّ بها المنافقون للكيد للإسلام والمسلمين، والتعاون مع أعداء الله عز وجل على ذلك، ولذا نهى الله تعالى عنها المؤمنين بقوله: {وَلَا تَجَسَّسُوا} .
وهذا لون آخر للتجسُّس، فقد يكون التجسُّس مهنة وغاية، ولكن هناك من يُفشِي السرَّ تحت تأثير شيء معين، وضعف لا يلبث أن يزول إذا خالط قلبه نور الإيمان.
ومن ذلك قصة أبي لُبابةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه عندما حاصَر الرسولُ صلى الله عليه وسلم يهودَ (بني قريظة) بعد أن ظاهروا المشركين عليه في غَزْوَةِ الأحزابِ، فذهَبَ إلَيْهِم، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَهَشَّ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَاذَا يَفْعَلُ بِنَا إِذَا نَزَلْنَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: [فَوَاللهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ] ، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، ولم يأت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عَمَدِهِ، وَقَالَ: [لَا أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ] [1] .
وأنزل الله تعالى قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) } (الأنفال) .
وقيل: إن هذه الآية: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) } (التوبة) . نزلت في توبة الله تعالى عليه.
ولا شكَّ أن أقصى ما يتمناه العدو من الفرد المسلم هو خيانته لجماعته بإفشاء أسرارها .. أو التآمر ضدَّها.
كما حدث في قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه. وقد كان له إخوة وبنون بمكة، ليس لهم عصب يحميهم، فخاف عليهم إذا غزا النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة عندما أراد فتحها، فأحب أن يكون له عند قريش يدٌ، وأراد أن يتقرَّب إليهم رغبة في عدم إيذاء أهله بمكة منهم، فكتب إليهم كتابًا وأرسله إليهم. رُوي أنه ورد فيه: «أما بعد: يا معشر قريش، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش عظيم
(1) البداية والنهاية لابن كثير (4/ 138) .