فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 129

المبحث الثالث

دور النِّفاق في الردة على عهد الصديق رضي الله عنه

النِّفاق هو أكبر دافع للخروج عن تعاليم الإسلام، وتجاوز حدوده، والثورة على نصوصه وأحكامه. فلا يخرج عن الإسلام وتعاليمه مؤمنٌ عمَرَ قلبَهُ بالإيمان، ولم يَرْتَدَّ رجلٌ امتلأ قلبُه باليقين، وانقشعت أمامَه سُحُبُ الضلال والظلم.

والذين ارتدُّوا عن الإسلام أحد اثنين: (من كان في قلبه مرض النِّفاق والشكِّ) ، أو (مَن ضَعُفَتْ عقيدتُه، وأسلم رغبة في مغنم، أو رهبة من مَغرم يلحَق به، وهذا من النِّفاق أيضًا) .

لقد أعلنوها حربًا، وأرادوها فتنة بعد موت النبي - رضي الله عنه -، ولكن سرعان ما خرجت عليهم ليوث الإسلام وأسُوده، وسلَّطت على رقابهم السيوف، فما استطاعت تلك الذئاب الضارية أن تصمُد أو تقاوِم، وثبت الصدِّيق - رضي الله عنه -، وكان أمة وحده، وكان عصره أزهى عصور الإسلام، وأقواها بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد خالفه بعض الصحابة ابتداءً في قتال مانعي الزكاة، فأبى إلا أن يقاتلهم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ} ، فَقَالَ رضي الله عنه: [وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ] ، فَقَالَ عُمَرُ: [فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ] [1] .

كما طالبوه بعدم إنفاذ بعث جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهم، ليعود إلى المدينة حتى تستقرَّ الأمور، ويستَتِبَّ الأمن، وتؤدَّب قبائل غطفان التي تهدِّد المدينة النبوية، فأصر على بعث جيش أسامة، وخرج معه ليودعه، وحارب غطفان ومن عاونها، وغنم من ورائها خيرًا كثيرًا، وحارب المرتدين ومانعي الزكاة وانتصر عليهم، وعاد أسامة بن زيد رضي الله عنهم منتصرًا، ومعه غنائم عظيمة.

(1) أخرجه البخاري: ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ح (7284) ، ومسلم: ك: الإيمان، ب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ح (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت