فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 129

رَبَّهُمْ بَلْ عَرَفُوا إِنْكَارَهُمْ لِرَبِّهِمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ. ظَهَرَ الْجَفَا، وَقَلَّ الْعِلْمُ، وَتُرِكَتِ السُّنَّةُ. إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، حَيَارَى سُكَارَى، لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا مَجُوسَ فَيُعْذَرُوا (أي بكفرهم) ] [1] .

وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: [الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ، شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ... لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ أَعْلَنُوهُ] [2] .

رَحِمَ اللهُ الإمامَ الحسنَ البَصْرِيَّ فكأنه يعيش زماننا هذا الذي ساد فيه المنافقون، وتكلَّم الرُوَيْبِضَةُ، وائتُمن الخائن، وخُوِّن الأمين، وطُلِبَت الدنيا بالآخرة، وأصبح الإجلال والتوقير للسُّفهاء، ومَن يُسَمَّوْن بـ (أهل اللهو والكرة) ، ولم يَنَلْ أهل العلم والتُّقَى والخير حظٌّ من التوقير والإجلال.

عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: [إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا اليَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ] [3] . وذلك لأنهم كانوا يُخْفون نفاقهم في عهد قوة الإسلام وظهوره، ثمَّ صاروا يُعلِنون النِّفاقَ في عهود ضَعْف الإسلام وخُمولِهِ.

وكَانَ الْحَسَنُ البصرِىُّ يَقُولُ: [إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَأَوْا هَذَا النِّفاق يَغُولُ الْإِيمَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ غَيْرَ النِّفاق] [4] .

وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ، قَالَ: كَانَ بَعْضُ المُهَاجِرِينَ يَقُولُ: [وَاللهِ مَا أَخَافُ الْمُسْلِمَ وَلَا أَخَافُ الْكَافِرَ. أَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُحْجِزُهُ إِسْلَامُهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَدْ أَذَلَّهُ اللهُ عز وجل، وَلَكِنْ كَيْفَ لِي بِالْمُنَافِقِ؟] [5] .

وتتبين خطورة هذه الفئة من المنافقين في أن أمرهم قد يختلط على المسلمين، كما أن من هؤلاءِ من قد يتَّخذ من التديُّن والتعبُّد والمجاهدة ستارًا لأعمالهم ونفاقهم، فهم يعملون في الخفاء، ومن وراء الكواليس، ويَنْدَسُّون بين صفوف المؤمنين، يوقعون الفتنة بينهم، ويشيعون الفشل في صفوفهم، لكن حكمة الله عز وجل اقتضت أن يُخرج الله تعالى أضغانهم.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) } (محمد) .

وقد أخرج الله تعالى أضغان هؤلاءِ القوم بما أنزله من بيان واضحٍ كافٍ ووافٍ في كتابه الكريم، تبيانًا لقبيحِ صفاتهم، وسوءِ فعالهم، حتى أصبح أمرهم معلومًا وواضحًا كالشمس في رابعة النهار، لكنه قد يَعمَى أمرهم على من طُمِسَتْ بصيرتُهم.

وقد نزلت سورة التوبة (الفاضحة) تفضح أمرهم، وتهتك أستارهم، وتكشف لنا ما انطوت عليه

(1) صفة النِّفاق وذم المنافقين، رقم (49) ، ص (91) .

(2) أخرجه وكيع في الزهد، رقم (475) ، وابن أبى شيبة في المصنف، (37396) .

(3) أخرجه البخاري، ك: الفتن، ب: إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه، (7114) .

(4) صفة النِّفاق وذم المنافقين للفريابي، ح (76) ، ص (119) .

(5) المصدر السابق، ح (59) ، ص (102) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت