فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا، فَنُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ، وَتَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل هَذِهِ الآياتِ» [1] ، وبَنَوا المسجد ليكون أبو عامر الراهب (الفاسق) إمامَهم.
وكان الذين بنَوا هذا المسجد وأمُّوه اثني عشر منافقًا، ذكرهم ابن هشام في سيرته. أقاموا مسجدهم وشيَّدوه، وأخفَوْا مقاصدهم الدنيئة في صدورهم، كما أخفَوْا نفاقهم، وأرادوا أن يزيدوا طمأنة المسلمين، ويبالغوا في التمويه عليهم.
وحدثت الفتنة بين الناس، وانقسموا على أنفسهم بسبب هذا المسجد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مالكَ بنَ الدُّخْشُمِ ومَعْنَ بنَ عدي بهدمه وحرقه، فَحَرَّقَاهُ وَهَدَّمَاهُ، ونزل فيهم من القرآن ما نزل.
(ب) قال تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) } (الأحزاب) .
نزلت هذه الآيات في هؤلاءِ الذين جَبُنوا من المنافقين عند لقاء الأحزاب، وذهبوا إلى المدينة مُحتجِّين بأن بيوتهم عورة، فيرد الله على هؤلاءِ بأنهم ضعاف الإيمان، لا عقيدةَ لهم، لأن الله يعلم أن العدو لو قُدِّرَ له أن يدخل المدينة من جوانبها وأقطارها، ثم سألهم المشركون الرِّدَّة وحملَ السلاح في وجوه المسلمين ما تردَّدُوا لحظة. وهذه هي الخيانة العظمى في أقصى صورها، وقد فضح الله تعالى نواياهم في قرآن يتُلَى إلى يوم الدين.
(ج) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) } (الحشر) .
نزلت هذه الآيات في يهود بني النضير، الذين أرادوا قتل النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ديارهم، وفي المنافقين الذين همُّوا بالخيانة العظمى، وحاولوا إشهار السيف مع أعداء الله في وجوه المسلمين، ولكن الله عز وجل خذلهم وثبَّطَهم، وألقَى في قلوبهم الرعب.
وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ حِينَئِذٍ، وتحصنوا فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ النَّخِيلِ وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفساد، وتعيبُ مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَحْرِيقِهَا؟!.
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ وَوَدِيعَةُ وَمَالِكٌ وَسُوِيدٌ وَدَاعِسٌ قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وَتَمَنَّعُوا، فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ.
فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهم إِلَّا الْحَلْقَة. ففعل ذلك صلى الله عليه وسلم.
(1) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (2/ 263) .