واختياري هذه الزاوية مبنيٌّ على هدفي من هذا البحث، وهو إثبات أن الفكر الأخلاقي في الإسلام ضبطته مناهج وضَّحت منطلقات أصحابها ووسائلهم وأهدافهم، وهي مناهج لها خصائصها التي تُميِّزها عن أي فكر إنساني آخر، ولا يضيرها ألا تجيء على غِرارها.
ولا يعني تطبيقي لهذا المعنى العامِّ للمنهج تجاوزَ بعض التمايزات داخل هذا المعنى العام، كأن يهتمَّ أحدُ الأخلاقيين بمحاولةٍ للتوفيق بين الدين والفلسفة الأخلاقية عند اليونان، فيظهر أثر الفكر اليوناني عليه شكلًا ومضمونًا، مع محاولة الاحتفاظ بالإسلامية فكرة، بينما لا يكون هذا الأثر بكامله لدى أخلاقي آخر، وقع في دائرة أثر الشكل دون المضمون، وإن بدا للبعض من خلال توجُّهه العامِّ أنَّه يرفضُ الشكل والمضمون معًا، أو كان يهتم اتجاه آخر بزاوية معينة وهدف محدَّد داخل الهدف العام، فيختار لذلك أسلوبًا معينًا متجاوزًا عن بعض المسائل التي لا تخدم اتِّجاهه في البحث أو التوجيه الأخلاقي، كما سيبدو إن شاء الله في عرضِنا لبعض النماذج المختارة.
ثانيًا: أما دلالة السابقين عندي، فهي في القرون التي أخذ الفكرُ الأخلاقي فيها شكلَه الذي ميزه وحدده، بَدْءًا من جهود مبكرة، كانت مع نهاية القرن الأول الهجري، ومرورًا بجهود الفقهاء والمحدِّثين والصوفية، ظهرت أكثر ما ظهرت في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ووصولًا إلى الفكر الأخلاقي عند المسلمين بعد أن احتكَّ بغيره من الأفكار، وكان الموقف من هذا الفكر الوافد حسب رؤية صاحبه قبولًا أو رفضًا أو توفيقًا، وبذا فإني أعتبرُ نهاية القرن الخامس الهجري نقطة تحدد دلالة السابقين في هذا البحث.
ثالثًا: من الثابت أنه لا يوجد بين كتب الطبقات كتابٌ يرصد الأخلاقيين؛ ذلك أن الاهتمام بالقواعد الأخلاقية في الإسلام أنتج إسهامات علماء كثيرين في هذا الباب، فوُجِد بين الأخلاقيين محدِّثون [1] ، وفقهاء [2] ، ومتكلِّمون [3] ، وفلاسفة [4] ، وصوفية [5] .
لذا فإن دلالة مصطلح الأخلاقيين تنصبُّ على إسهاماتهم، حتى ولو كانوا قد اشتَهَروا بنسبهم إلى طائفة من طوائف أهل العلم لا تحمل اسم الأخلاقيين.
(1) انظر: فاروق حمادة/ مكارم الأخلاق للطبراني، عمل اليوم والليلة للنسائي.
(2) انظر: مناهج المستشرقين في الدراسات العربي والإسلامية، 2/ 247، 249 نشر مكتب التربية العربي/ 1985 م.
(3) انظر: الخير والشر عند المعتزلة، د/ محمد الجليند، الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، د. أحمد محمود صبحي.
(4) انظر: د. محمد الشرقاوي، الفكر الأخلاقي - دراسة مقارنة.
(5) انظر: أبو اليزيد العجمي، الوجهة الأخلاقية للتصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري، مخطوط، رسالة ماجستير دار العلوم 1977 م.