كلمة حق:
لفت إنتباهي أثناء تجوإلى بين ما وقع تحت يدي من مؤلفات ومصادر تم تهريبها بعيدًا عن اعين السجان: كتيب صغير فيه من الخير الشيء الكثير، وقد غلفه الكاتب بهذه الحكمة التي تصلح للاستدلال بها في معرض حديثنا عن هذا الصنف من الناس، يقول الدكتور علي الحمادي: (( أثبتت الدراسات أن كل إنسان يستطيع أن يكون مبدعًا، ما عدا صنفين من البشر، الأول: هم المجانين، والثاني: هم الذين يقررون أن لا يكونوا مبدعين ) ) [1] .
مثل أولئك؛ وهم غرقى في حمى الفرح واللهث وراء المدنية البراقة في الغرب قد قبلوا أن يضعوا على رفوف النسيان كل ماضيهم وحضارتهم، وهم بالتالي قد شطبوا ذاتهم، وألغوا عقولهم، وطبعوا على رؤوسهم بخط أيديهم عبارة: (للإيجار) !
نتيجة مؤلمة، ومحصلة مأساوية، حينما ترعى أرض فلسطين شابًا وترسله ليتعلم، ويعود لها بما يرفع مكانتها ويكسر عن مآذنها الأغلال، فتراه يعود وهو يحمل لها أغلالا أخرى، ليضيف إلي الهم همًا، وينثر فوق الموت الرماد.
إن هؤلاء لم يضيفوا شيئًا إلى رصيد الأدب الفلسطيني المحفوظ في ذاكرة الأيام، فهم ليسوا إلا رواد علم المحاكاة، لا يتصور لأذهانهم أن تتفتح مقدار أنملة فوق ما شاهدوه ورأوه وسمعوه، وبالتالي؛ كان الأدب الصادر عنهم يصب في خدمة كل الإتجاهات إلا أمتهم، وينادي بالتقدم على كل صعيد إلا في مجال أدبهم الذاتي، وكل إناء ينضح بما فيه.
نعم .. إنهم صورة نجاح المستعمر في خطواته لاستعباد البشرية، فها هو بث من بين ظهرانينا أناسًا يسوّقون إيجابياته، وتتغاضون عن سلبياته، وأي قيمة تعدل ذلك؟ فالعدو عرف المعركة بأسسها، وترك لنا الانهبار بأضواء وعمارات مدنه.
(1) . (30) طريقة لتوليد الأفكار الإبداعية، د. على الحمادي، دار بن حزم للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1990 م، الغلاف الخلفي للكتاب.