بعد بحث في المكتبات ودور النشر، نلمس في هذه الأيام التفاتة صادقة إلى الطفولة في العالم أجمع، فالعالم الغربي أدرك أن الطفولة التي غادرت طور الحبو حديثا ستتسلم زمام الأمة في غدها، فتعاقدوا مع الأدباء والمؤسسات والمثقفين، وراحوا يفتحون مجالات الإبداع الكتابي، ويدعمون حمّى التسابق، حتى تواطأ مثقفو الغرب على صياغة منهاج طفولي متنوع الاهتمامات والمجالات.
أما في العالم العربي - وفلسطين جزء منه - فقد أُغفل هذا الجانب تحت الضغط المتراكم على هذا الشعب، وتغاضى المثقفون عن حق الطفولة في أدب يبني شخصياتهم بأسلوب سلس مفهوم، يوائم المرحلة العمرية لهم، ويزرع فيهم بذار الخير والفضائل حتى يشبّوا عليها.
افتتح الاهتمام بجانب الطفولة من عهد رفاعة الطهطاوي، حيث سافر إلى باريس وأطلع على ثقافتهم ورعايتهم للطفولة في شتى مراحلها، فنقل الصورة إلى مصر، ومن ثم، كان إسهام أمير الشعراء أحمد شوقي بتميزه الأخاذ، حتى عدة المؤلفون أول من ألف أدبًا للأطفال باللغة العربية، إضافة إلى نظم الأناشيد والأغاني الطفولية، وإبداعه في الحديث على ألسنة الطير والحيوان مما يستهوي الطفل في سنوات عمره الأولى، ليفتح المجال بعده لمن له يد وباع في مجال التأليف، فانتشرت المكتبات الموجهة إلى الأطفال إنتشار النار في الهشيم.
أما في المجتمع الفلسطيني، فقد كانت خطوة الريادة للأديبين محمود عباسي وجمال قعوار، اللذان قدما العديد من الإبداعات للأطفال في فلسطين، ثم تدافع بعدهم الأدباء لتمتليء مكتبة الطفل بالقصص العربية، والقصائد الشعرية التي تربي وتهذب وتشذب المسلكيات والتصرفات.
على ضوء هذه الرؤية الناضجة، اقتحم المثقف الفلسطيني ساحة العطاء، ليعمل على انتشال الطفل الفلسطيني من المستوى الذي وقع فيه، فارتفع منسوب العمل، وازداد ارتفاع سقف الإنجاز، فصار الصغار في مجتمعنا يجدون مادة أدبية مشوقة ومحببة لديهم، يقضون معها أوقاتهم، وفي الوقت نفسه؛ كان المجتمع أسهم بأداء جزء من حقهم بوجبات طيبة ترفع من مستواهم العام، وترتقي بهم نحو مجالات النمو والنهضة.