والأدب أدب، من أي شخص صدر يُقيَّم ويوزن ثم يعطى حقه في ميزان الأدب العربي، بغض النظر عن قائله أو باذله، فالعبرة في الأدب بجودة الصنعة، وإتقان المعاني، وتنسيق الوجود للمطروح، وروعة الاستشهاد والتصوير والبيان، لا بمظهر قائله أو انتمائه الخاص.
تميز وتمايز
لكن للإسلام هيبته التي تفطو على أفق العطاء، وله مكانته العالية، وأسلوبه الخاص في صناعة رجاله، فهو قبل أن يصنع الشاعر يصنع المفكر، وقبل أن يفتح عيون فرسانه على أبحر الشعر أو طرق نظم القوافي؛ يعلمهم القيم والثوابت والمبادئ، حتى إذا نزلوا بساحة العطاء كانوا من حكماء الأدباء، لا ممن يكتبون ليقال كتبوا [1] .
وبالفعل؛ كان لشعراء الصحوة الإسلامية تعبيراتهم الراقية، وجرسهم الموسيقي المستساغ، وفكرهم المطروح على موائد الشعر - حره وعموديه - فأبرزوا الصراع على حقيقة العقائدية، وصاغوا روي قصائدهم بعد بصيرة نافذة، ودراية بعلوم التاريخ والحاضر، ونزعوا ورقة التوت عن عورات الأنظمة المتخاذلة، فمزجوا من الحنين سياسة، وزاوجوا بين البلاغة والفهم الشمولي للصراع، ودمجوا بين بهاء التصوير وسمو الرأي، وكانت الثوابت لا تفارق صدر بيت أو عجز، وشتان شتان بين من يكتب لفكرة يؤمن بها حتى تغلغلت في شغاف قلبه، وبين من يكتب ليزاحم الشعراء في دواوينهم، مع اعترافنا بفضل من ساهم، على اختلاف أطياف الشعب الفلسطيني الباسل.
(1) اقرأ في: الأهرام العربي، العدد 325، 14 - 6 - 2003 م، الخطاب الديني في أزمنته المستمرة، نبيل عبد الفتاح، ص 79.