لا شك أنها أيام عصيبة، حين انتحبت الأرض لوداع رجالها وفرسانها، حيث كانت فلسطين تتعرض لأشرس الحملات النازية والفاشية في التاريخ، تتأرجح ما بين موت وموت، وتهرب من مجزرة إلى مجزرة، وتصخّ آذانها دبابات العدوان وهي تستحق الزنابق البرية في مروجها ووهادها.
أي جرح هذا .. أن يجد الإنسان نفسه أمام خيار واحد، إما أن يفعله وإما الموت .. إنه قرار صعب، ومسؤولية عظيمة تنوء بها الجبال أن تميد [1] ..
فبعد دمار خلفه الاحتلال الإنجليزي، وأجساد علقت على أعواد المشانق، وحملات الإرهاب المنظم التي قادتها القوات النظامية الإنجليزية بتوجيه رسمي من قيادتها، صار الشعب الفلسطيني ما بين مطرقة الإنتداب وسندان عصابات الهاجاناه وشتيرن والبالماخ والأرغون الصهيونية، وهو تاريخ عصيب وحرب مفتوحة الأبواب والساحات.
وإليك فقط نصًا داعمًا لما أطرح، أعرضه عليك من مذكرة رسمية بريطانية موقعة تحت رقم 2 - 39، بتاريخ 17 مايو آيار 1939 م، تطرح الخطة السياسية لبريطانيا تجاه ملء الأرض الفلسطينية بالمُستجلَبين الصهاينة لتفريغ أهلها الشرعيين، تقول الوثيقة:-
إن حكومة جلالته مقتنعة أنه متي تمت الهجرة التي يفكر فيها الآن على مدار السنوات الخمس المشار إليها، لن يكون لها مبرر، كما أنها لن تكون تحت طائلة أي التزام، لتسهل إنشاء الوطني القومي إليهودي عن طريق السماح بهجرة أخرى بقطع النظر عن رغبات السكان العرب.
لقد تكالب المجتمع الغربي لغرس هذا الكيان المصطنع في أرض لا يمكلها، وليس له أي حق فيها، وبالتالي؛ فرضوا من السياسات ما من شأنها فتح المجال أمام الهجرة الفلسطينية، أو التهجير القسري، وقد كان الخيار الأول فاشلًا حين تمسك الفلسطيني بترابه، فالتجأت العصابات الصهيونية والإدارة البريطانية (الإنتداب) إلى العمل بالتهجير القسري، حيث قامت
(1) اقرأ في: مجلة فلسطين، تصدر في مخيم الدهيشة، العدد السابع، السنة السادسة 2000، ص 8 - 11.