فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 157

فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها.

فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعومتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعًا من الذعورة فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوكل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن ليكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم.

وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور.

منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه المنظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتواصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل ومعنى قائم ورباط لهما ناظم وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولاأعذب من ألفاظه ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاوة وتشاكلًا من نظمه.

ل - وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام فإما أن توجد مجموعة في نوع واحد فلم توجد إلا في كلام العليم القدير فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنًا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه مودعًا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأداء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتنسق أمر يعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أومناقضته في شكله ثم صار المعاندون له يقولون مرة أنه شعر لما رأوه منظومًا ومرة أنه سحر لما رأوه ومعجوز عنه غير مقدور عليه وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب وقرعًا في النفوس يرهبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف ولذلك قالوا: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وكانوا مرة بجهلهم يقولون أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلًا مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أويكتب في نحوذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز.

ومنها: جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر

ا - مفهوم البلاغة [1]

(1) - راجع الفوائد الغياثية في علوم البلاغة / عضد الدين الايجى؛ دراسة و تحقيق و تعليق عاشق حسين.

الناشر القاهرة: دار الكتاب المصرى؛ بيروت: دار الكتاب اللبنانى، 1991

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت