فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 178

والطاغوت هو كلّ ما عُبد أو أطيع من دون الله برضَى منه، ورأس الطواغيت إبليس ..

والفهم الصحيح لهذه الآيات وأمثالها يعدّ من الأدلّة العقليّة على هذه الحقيقة .. وإذا كان دين الله وشرعه قد بيّن للناس ما يكلّفهم الله تعالى به في كلّ جانب من جوانب الحياة، منذ الميلاد وإلى ما بعد الوفاة .. أفليس أداء تلك التكاليف، والالتزام بها عبادةً لله تعالى.؟ يثاب عليها الإنسان، وتكون سبب مغفرة الله تعالى ورضوانه له، فإن لم يكن أداء التكاليف عبادةً.؟ فماذا يكون إذن.؟! وإنّ غرس المفهوم الصحيح للعبادة يقتضي ثلاثة أمور:

أ ـ التكرار والتأكيد، ليطمئنّ المربّي إلى تحقيق ما يريد.

ب ـ والتذكير بذلك بين الحين والآخر.

ج ـ وتقديم النماذج، والتمثيل بالمواقف، ويحسن أن تكون ممّا ذكر في النصوص النبويّة، وهي كَثيرة متنوّعة ..

2 ـ وأمّا ربط مفهوم العبادة بواقع الحياة، فهذا من البداهة بمكان، إذ إنّ المفهوم الشموليّ للعبادة يجعل ميدانَها السلوك الإنسانيّ بمختلف جوانبه وآفاقه، وهذا ما أشار إليه حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن شعب الإيمان، فيما رواه أَبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قَالَ: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) [1] .

(1) ـ رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم /51/، ويحسن في هذا المقام أن أنقل فائدة لطيفة تتعلّق بعدد هذه الشعب عن الإمام ابن حبّان رحمه الله، فقد قال في كتاب:"الإحسان"1/ 387/:"وقد تتبّعت معنى الخبر مدّة، وذلك أنّ مذهبنا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلّمْ قطّ إلاّ بفائدة، ولا في سننه شيء لا يعلم معناه، فجعلتُ أعدّ الطاعات من الإيمان فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعْت إلى السنن فعددت كلّ طاعةٍ عدّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفّتين من كلام ربنا، وتلوته آيَة آية بالتدبّر، وعددت كلّ طاعة عدّها الله جلّ وعلا من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن، وأسقطتُ المُعادَ منها، فإذا كلّ شيْء عدّه الله جلّ وعلا من الإيمان في كتابه، وكلّ طاعة جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة، لا يزيد عليها، ولا ينقص منهَا شيء، فعلمْت أنّ مراد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كَان في الخبر: أنّ الإيمان بضْع وسبعون شعبة في الكتَاب والسنَنِ"، انظر كتاب:"اللباب في أصول الفقه"للشيخ صفوان الداووديّ ص/218/. ومع أهمّيّة ما حقّقه هذا الإمام عن عدد هذه الشعب، فإنّها ينبغي أن تفهم على أنّها أنواع، وليست أفرادًا، إذ إنّ النوع يشمل صورًا كثيرة لا تدخل تحت حصر، وما ذكرته أعلى من إشارة الحديث أهمّ، لأنّه يدلّنا على شمول شعب الإيمان لكلّ خصال الخير والبرّ، وبالله تعالى التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت