الإيمانُ عقيدةٌ تعمُرُ القلبَ، وتغمرُ الجوارحَ، فتثمر الطاعةَ والفضائلَ والمكارم، وحسن المعاملة، وسموّ الأخلاق .. وليس الإيمانُ كلمةً تجري على اللسانِ، أو يدّعيها الإنسَانُ بغير برهان .. بل هو عقيدةٌ راسخة، وأخلاقٌ فَاضلة، وأعمالٌ صالحة ..
فالإيمانُ دافع للمؤمن إلى الإكثار من الطاعات حبًّا لله، وتقرّبًا منه، وطلبًا لمرضاته .. وهذا ما يفسّر لنا اجتهاد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في العبادة، واجتهاد أصحابه الكرَام - رضي الله عنهم -، بصُورة دفعت بعضهم إلى المبالغة، فكانوا يحتاجون معها أنْ يدعوهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الاعتدال، والتخفيف عن أنفسهم، وأن لا يكلّفوا أنفسهم ما لا يطيقون، فإنّ الله لا يملّ حتّى يملّوا ..
وإنّ أعظمَ ثمرة من ثمرَات العبَادة أن يصل المؤمن إلى مرْتبة الإحسان، التي هي أعلى مراتب الدين، وقد عرّفها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (أن تَعْبُدَ اللهَ كأنّكَ تَراهُ، فإنْ لم تكُنْ تَراهُ فإنّهُ يَراكَ) [1] ، ويَنبغي أن نفهم هنا العبادة بمعنى العمل أيّ عملٍ كان ـ ما دام مشروعًا ـ فكأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: أن تعْملَ العملَ لله كأنّك تراه .. وهذا مَا يورّث المؤمن مراقبة الله تعالى في مهْنته، في سوقه، في
(1) ـ جزء من حديث جبريل المشهور، رواه مسلم برقم /8/ والترمذيّ برقم /2613/ وأبو داود /4695/ والنسائيّ 8/ 97/.