إنّ عظمة العظماء في جميع منابتها تقوم على أسس هي أسباب لها، كما ينبت جذع الشجرة من الجذور، وبحسب ما يكون في تلك الأسس والأسباب من كثرة وقوّة، تكون قيمة العظمة وشأنها وخلودها، كالجَذع تكون قوّته وضخامته، وثباته في وجه الرياح والأعاصير ورسوخه بقدر ما لجذوره من كثرةٍ تُغذّيه، وقوّةٍ تحميه. هذا وأهمّ أسباب العظمة الحقيقيّة أربع:
1 ـ الصفات النفسيّة والأخلاق الشخصية.
2 ـ عظمة المبادئ والأعمال التي أتى بها.
3 ـ قوّته وكفايته ونجاحه في تنفيذ المبادئ التي أتى بها.
4 ـ مدى نجاحه في تكوين جيل قياديّ صالح، مؤهّل لحمل المسئوليّة، والمحافظة على المبادئ، ومتابعة تنفيذها.
وقد جمع الله هذه الأسباب الأربعة للعظمة الحقيقيّة في شخص النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أكمل صورة وأوفاها، وأجلّها وأعلاها، إذ تحقّقت فيها ثلاثة جوانب: شمولها واستيفائها، وكمالها وسموّها، ووضعها في مواضعها، ومن ثمّ فقد وصفت أخلاق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقول الله تعالى: {وَإنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } القلم.
ولا توصف الأخلاق بالعظمة إذا اختلّ ركن من هذه الأركان الثلاثة، فالشجاعة صفة كريمة مرغوبة، ولكنّها عندما توضع في غير موضعها، أو تكون في الإنسان في أمر دون آخر، لا توصف بكمال ولا عظمة ..
والرحمة صفة كريمة مرغوبة، ولكنّها عندما يعامل بها المجرم الآثم، أو الباغي الظالم لا تقلّ شناعة عن البغي والظلم، بل قد