قال الزبَير - رضي الله عنه: فخرجت أسعى إليْها، فأدركتها قبل أن تنتهيَ إلى القتلى، فلدمَت في صدري، أي دفعتني دفعًا شديدًا، وكانت امرأة جلدة ـ أي قوّية شديدة ـ وقالت: إليك عنّي لا أرض لك.! فقلت: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم عليك أن لا تذهبي .. قال: فوقفَت .. [1] .
ـ وتخلّف كعب بن مالك وصاحباه - رضي الله عنهم - عن غزوة العسرة بغير عذر، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامهم، فما كلّمهم أحد طيلة أربعين يومًا .. ثمّ أمرهم بعد الأربعين أن يعتزلوا نساءهم، فاعْتزلوهنّ عشرة أيّام، وتحمّلوا هجرَ المسلمين خمسين يومًا، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، حتّى تاب الله عليهم، ففرحوا بذلك أشدّ الفرح، وفرح بهم المسلمون، وأقبلوا عليهمْ يكلّمونهم، ويهنّئونَهم بتوبة الله تعالى ..
هكذا كان انقيَاد سلف هذه الأمّة الصالح لأمر الله تعالى، وأمْر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، عملوا بالإسلام كَاملًا، فقطفوا ثماره يانعة، عزّةً وسيادةً ورفعَة ..
والإسلام الذي عزّ به المسلمون الأوّلونَ دين شامل لحياة الإنْسان، كامل تامّ .. لم يترك جانبًا من جوانب الحياة، من عقيدَة وعبادات، وتشريع وأخلاق، وسياسة واقتصاد، واجتماع وعمران، وما يتّصل بذلك، وما يتفرّع عنه إلاّ ووضع له المنْهجَ الحكيم، والخطّةَ الرشيدة ..
راعى الإسلام جانب الروح، فشرع لها عبادات تغذّيها وتزكّيها، وتصلهَا بربّها تبارك وتعالى، وتسمو بها ..
(1) ـ رواه أحمد وأبو يعلى والبزار.