ويدخل في هذه الخصلة الكريمة: صبره الجميل، واحتماله للأذى، وسعة صدره على إساءة الجهّال، وجفوة الأعراب.
ـ ومن أهمّ ما يميّز سيرته المثاليّة - صلى الله عليه وسلم - بين سائر العظماء: التزامه الشديد بتطبيق الأخلاق التي يدعو إليها، التزامًا لا خروج عنه ولا استثناء، حتّى مع أعدائه، فلا تناقض ولا اختلاف بين الدعوة والسلوك، فلم ينقض عهدًا مع عدوّ، ولم يحاول غدرًا بخصم، مهما كان يائسًا منه، ويخشى غدره .. وكان - صلى الله عليه وسلم - قدوة للناس في كلّ ما يأمرهم به، وأبعد الناس في هديه وسيرته عن كلّ ما نهى الناس عنه .. ولن يستطيع مقال عاجل أن يلمّ بشيء من جوانب العظمة في شخصيّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه ..
وبعد؛ فإنّ حاجة الناشئ إلى مثل أعلى يتعلّق به قلْبُه، ويطمح إليه نَظَرُه، حاجة أكيدة ماسّة .. وإنّ ما نشكوه اليوم منْ ضياع شباب الأمّة وراء التعلّق بالنكِرات، والافتتان بكلّ أفّاك أثيم .. سَببُه الأوّلُ والأكبر تقصير الآباء والمربّين في تقديم القدوة الحسنة لأبنَائهم، من أنفسهم وسلوكهم، والمثل الأعلى من شخصيّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسيرته العطرة وهديه ..
وإنّنا بحاجة إلى إصلاح مناهج التعليم، التي تقدّم السيرةَ النبويّةَ تاريخًا لدولة، وعلاقات صراع وحروب، أكثر ممّا تقدّمها مثلًا أعلى للإنسان، ولا تبرز جانب الأخلاق والسلوك، بِما يتناسبُ معَ أهمّيّته، ويلائم نموّ الطفل ونشأته واهتمَاماته، فلا تتّصل السيرة بهذه الطريقة بعاطفة الناشئ ووجدانه، وقلبه وروحه، وإنّما تأخذ حظّها مادّة من الموادّ العلميّة الجافّة، التي قصارى ما يفكّر فيه الطالب تجاهها أن ينال درجة النجاح، ثمّ لا يهمّه بعد ذلك أن يهملها ويتناساهَا .. وإنّ الصورة الوضيئة، التي أراد الله تعالى لهذه الأمّة أن تتعامل بها مع نبيّها - صلى الله عليه وسلم - هي صورة الأسوة الحسنة، والقدوة المثلى، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي