"الوطنيّةُ": هي [اتخاذ الانتماء لوطنٍ مّا سببًا ورابطًا لانعقاد الولاء والنّصرة بين ساكنيه، وأصلًا للمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، وإزالة الفوارق المترتبة على الاختلاف في الدين والعقيدة، واتخاذ رابط الانتماء للوطن ووحدة ترابه غايةً عُليا، تُبذل في سبيلهما الأموال والدماء] .
-الفرق بين حبّ الوطن الفطري و دين"الوطنية"-
والمرء مجبول على حبّ الديار التي وُلد فيها، أو عاش ونشأ بها، وهذه محبّة فِطريّة لا يُنكرها إلا من ناقض خَلْقه، وانحرفت فطرته، يقول الشاعر:
بلادٌ ألِفناها على كُلّ حالةٍ ... وقد يؤْلَفُ الشّيء الذي ليسَ بالحسَنْ ...
ونستعذِبُ الأرضَ التي لا هوا بها ... ولا ماؤُها عذبٌ ولكنّها وطنْ
والله عزّ وجلّ يُخاطب نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: من الآية144] ، قال الإمام الطبري رحمه الله: (فأما قوله: {فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها} ، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة {ترضاها} : تَهواها وتُحبها) [1] .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكة: (( ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ) ) [2] ، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلن عن حبه لموطنه الذي نشأ وترعرع وتربّى فيه، وكان أحبّ إليه أن يصلّي إليه وفيه قِبْلة إبراهيم عليه السلام، ومثل هذا الحبّ لذاته ليس بمكروه أو محضور، كباقي أنواع المحابّ الفطرية التي جُبل عليها الإنسان، على أن لا تتجاوز حدّها، وتتعارض مع ما أمر الله به من أمرٍ ونهي، فعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك ) )، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( الآن يا عمر ) ) [3] .
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] .فمحبّة الإنسان للنفس والأهل والعشيرة والمال والأوطان محبّة طبيعية لم يحرّمها الشرع ما لم تتجاوز حدّها، ومجاوزة الحد هو تقديم هذه المحابّ على محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وطاعة أوامرهما، وهذا هو الذي يفضي إلى الوقوع في الحرام والكفر والعياذ بالله، فإن كانت هذه المحابّ سببًا لعدم الامتثال لأمر الله في الجهاد في سبيله -مثلا- خشية فقدان المحبوب والركون إليه وتفضيله على ما عند الله، فهذا من الفسوق المحرّم، وهو من الكبائر التي توعّد الله عليها: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
ومن ذلك أن المسلم مأمور بالهجرة من البلد التي لا يتمكّن فيها من إقامة دينه، وإن كان ذلك البلد موطنه الذي نشأ وترعرع فيه وأحبّه، وهذا كان فِعْلَ خير الخلق - صلى الله عليه وسلم - وصحبه ممّن هجروا ديارهم التي أحبوها، وأموالهم التي اقترفوها، وأهلهم الذين عاشوا معهم، لمّا صار ذلك كله مُعارضًا لأمر الله بإقامة الدين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:97] ، يقول ابن كثير رحمه الله: (الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو
(1) - تفسير الطبري: سورة البقرة آية.
(2) - سنن الترمذي: 5/ 723، وهو صحيح.
(3) - رواه البخاري.