بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والملحمة، محمّدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد:
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: من الآية187] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ} [البقرة:159] .يقول ابن كثير رحمه الله: (وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(( من سُئِل عن عِلْم فكَتَمه ألْجِم يوم القيامة بِلجَامٍ من نار ) ) [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعا تخالف الكتاب، ويلبسونها على الناس ولم تُبيّن للناس: فسد أمر الكتاب وبُدّل الدين؛ كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم يُنكر على أهله، وإذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سمّاعون للمنافقين: قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا؛ وهو مخالفٌ للكتاب وصاروا دعاةً إلى بدع المنافقين، كما قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: من الآية47] ، فلا بد أيضا من بيان حال هؤلاء؛ بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين فلا بد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق؛ لكن قالوها ضانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين؛ ولم تكن كذلك لوجب بيان حالها) [2] .
وقال أيضًا رحمه الله: (وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكتّ أنت وسكتّ أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم. ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟. فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) [3] .
فقيامًا بهذا الواجب الذي ألزم الله به كلّ مسلمٍ أوتي علمًا من الدين، وقيامًا بفريضة إنكار المنكر التي جعلها الله من أسباب خيرية هذه الأمة، وواجب النّصرة للمؤمنين أهل التوحيد الذي أمر الله به عباده، وفريضة الجهاد التي جعلها الله ذروةً لسنام دينه، ومنه جهاد المنافقين، كتبت هذه الرسالة المختصرة في بيان منهج الهيئة التي وسمت نفسها بـ (هيئة علماء المسلمين في العراق) ، وجعلته في ثلاث فصول:
(1) - رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة، وابن حبّان والطبراني في الكبير، وهو صحيح.
(2) - مجموع الفتاوى: 28/ 233.
(3) - مجموع الفتاوى: 28/ 231.