فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 65

الفصل الثاني

(( حقائق شرعية ) )

وهو علّة الخلّق، وغاية التكليف، وحقّ الله على عباده الذي خلقهم لأجله وكلّفهم به، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56] ، وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: من الآية 5] ، وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ} [التوبة: من الآية31] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (( يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حقّ العباد على الله؟ ) )، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ) )؛ وهذا ممّا أجمع عليه أهل الإسلام واستفاضت بها الأدلة في كلّ الرسالات.

والتوحيد لغةً من الإفراد، أي جعلُ الشيء واحدًا، وتوحيد الله هو: [إفراد الله تعالى بما اختص به نفسه: من الأفعال، والعبادات، والأسماء والصفات] ، قال تعال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] ، ومعظم آيات القران جاءت متظاهرة في إثبات وتقرير هذه الأقسام الثلاثة للتوحيد.

-أقسام التوحيد وعلاقتها بمسألة الحكم بما أنزل الله -

1.إفراد الله بالربوبية والأسماء والصفات، (التوحيد العلمي الخبري) وعلاقته بالتشريع:

-القسم الأول (توحيد الربوبية) : وهو [إفرادُ الله تعالى بأفعاله النازلة إلى العباد: كالخلق، والملك، والتدبير] ؛ فالله خالقُ كل شيء: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62] ، وهو مالكٌ لهذا الخلق: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [المائدة: من الآية17] ، وهو مدبّرٌ لأمر هذا الملك: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} [يونس: من الآية3] .

ومن أفعال الله الداخلة في تدبيره لأمور خلقه، أنه شرع لهم ما فيه صلاحهم في الدنيا، وفلاحهم بالآخرة (التدبير الشرعي) ، وهو أمره ونهيه وحكمه وقضائه فيما اختلف فيه العباد، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: من الآية54] ، وقال في سورة الأنعام: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: من الآية164] ، وقال في نفس السورة: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: من الآية114] .

وقال عن هذا الكتاب والشّرع المُنزل من عنده في آياتٍ أخرى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: من الآية213] ، وقال: {إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: من الآية105] .

فإنزال الكتب وتشريع الشرائع التي تحكم بين الناس من أفعال الربوبية التي اختصّ بها الله لنفسه، وذمّ وتوعّد من نازعه فيه، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: من الآية48] ، وقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: من الآية13] ، وقال: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: من الآية10] ، وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} [الأنعام: من الآية57، ويوسف: الآية40 والآية67] ، وقال: {أَلا لَهُ الْحُكْمُ} [الأنعام: من الآية62] ، وقال: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: من الآية88] .

فلا يصحّ للعبد إيمان، ولا يستقيم له دين، حتى يعقد قلبه على هذه الحقيقة تصديقًا وإقرارًا: [أنه لا مشرّع إلا الله] ، فينفي فعل التشريع عمّا سوى الله، ولا يثبتها إلا لله.

-فمن اعتقد أنّ غير الله له حق التّشريع وأطاعه واتّبعه عليه، فقد اتّخذ من دون الله ربًا وجعله ندًا له في أفعاله وربوبيته، قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت