وأن الله موصوفٌ بأنه الخالق والرزاق، والمعطي والمنعم، فإنه لابد يدعوه طلبًا للرزق، ولا يدعو غيره، قال تعالى: {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64] ، وهذا هو الشرك الذي سقط فيه الناس منذ ظهر الشرك على وجه الأرض، فمعظم الناس يُقرّ بتوحيد الربوبية، لكنه يُشرك بالعبادة (الألوهية) ، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106] ، قال ابن عباس - رضي الله عنه: (من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم: من خلق السموات، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم -مع ذلك- مشركون به!) [1] .
فكذلك، من اعتقد [أنّه: لا مشرّع إلا الله، وأنّ شرعه متّصفٌ بكل صفات الكمال] ، فإنّ ذلك لا يكفيه ولا يكون محقّقًا للتوحيد، حتى يُفرد الله في العبادة حكمًا وتحاكمًا: [وأنه لا يُحكم إلا بشرعه، ولا يُتحاكم إلا إليه] .
-التوحيد لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت -
تحقيق التوحيد يكون بتحقيق كلمة التوحيد: [لا إله إلا الله] ، ومعنى هذه الكلمة عند المسلمين أهل السّنة: [لا معبود بحق إلا الله] ، فمعنى الإله في لغة العرب هو: المعبود الذي تألهه القلوب محبةً وتعظيمًا، فالله هو المعبود، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، كما أنه هو المعبود الحقّ، وما سواه من معبوداتٍ كثيرةٍ فباطلة، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62] ، فكان معنى [لا إله إلا الله] هو [لا معبود بحق إلا الله] .
وهذه الكلمة العظيمة، التي كان تحقيقها أو نقضها، سببٌ للسّعادة أو الشّقاوة في الدنيا والآخرة، لا يتحقق معناها إلا بنفيٍ وإثبات. نفيٌ: وهو [لا إله] ، أي نفيُ العبودية عمّا سوى الله من المعبودات الباطلة، وهو ركن الكفر بالطاغوت. وإثباتٌ: وهو [إلا الله] ، أي إثبات العبودية لله، المعبود الحقّ والمستحقّ للعبادة، وهو ركن الأيمان بالله.
وهذان هما ركنا هذه الكلمة التي لا قيام للتوحيد إلا بهما. قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: من الآية256] ، فيكون المقتضى الحقّ لكلمة التوحيد هو: [الكفر بالطاغوت والإيمان بالله] .
والطاغوت لغةً من الطغيان، أي مجاوزة الحدّ، قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة:11] .
والطاغوت عند السّلف: هو كلّ ما عُبد من دون الله [2] .. ذلك أن المعبود من دون الله، قد تجاوز حدّ العبودية، وأصبح ندًّا لله ونازعه في ربوبيته (أفعاله) ، وألوهيته (صُرِفت له العبادة من دون الله) ، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: من الآية36] .
فإن كان المعبود داعيًا لعبادة نفسه، أو راضيًا بذلك، فهو طاغوت على الحقيقة عند نفسه وعند العابد. وإن كان المعبود غير عالم بعبادة الناس له، أو منكرٌ لذلك (كالملائكة والأنبياء والصالحين الذين يعبدهم الناس من دون الله) ، فإن المُشرك يكون عابدًا لرأس الطاغوت، وهو الشيطان الذي زيّن له عبادة غير الله، قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ - فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس:29] ، وقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يّس:60] .
يقول الطبري رحمه الله: (والصواب من القول عندي في"الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء) [3] .
(1) - تفسير ابن كثير: سورة يوسف.
(2) - قاله الإمام مالك رحمه الله؛ عن فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
(3) - تفسير الطبري: سورة البقرة/ 256.