فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 65

يبايعوا عليا كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - كذلك، وكذا التصريح ببغضهم واستحلال إيذائهم، وإنكار خلافة الخلفاء الراشدين منهم والتهافت على سبّهم ولعنهم تهافت الفراش على النار دليل على كفرهم. وقد أجمع أهل المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على القول بكفر المتصف بذلك) [1] .

وقد أخطأ بعض المسلمين في الحكم على عوامّ الشيعة الروافض هذه الأيام والتفريق بينهم وبين رؤسائهم، فتوقّف فيهم متعلّقًا بقول شيخ الإسلام يردّ على تكفيرهم وخلودهم في النّار فيقول رحمه الله: (أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضا، وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة في"قاعدة التكفير") [2] . فالشيخ رحمه الله علّق الحكم بتكفير أعيانهم على توفر شروط الحكم وانتفاء موانعه، والأمر الذي اعتبره شيخ الإسلام مانعًا في الحكم على أعيان عوامّهم هو الجهل، ولذا قال في نفس الموضع: (ولهذا لا يكفّر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة) .

وما نراه اليوم من الشّيعة الرّوافض هو الشّرك الأكبر الصّراح وبكلّ أشكاله، وليس استحلالًا لأمر قد يُعذر من لم تبلغه الحجّة فيه، فكيف إن كان جهل هؤلاء في أصل الدّين والتّوحيد من جهة إعراضهم عن دين الله لا ريب في ذلك، مع توفّر كل دواعي إزالة هذا الجهل وأسبابه في هذه البلاد، وفي هذا العصر بالذات، فالذي نؤمن به يقينًا أن هؤلاء الروافض من أكفر الخلْق على وجه البسيطة، والتوقف في تكفيرهم تعطيلٌ لحكمٍ شرعيٍّ لغير مانعٍ معتبر مع كلّ ما يترتّب على هذا التعطيل، وهذه من بدع الإرجاء المُخالفة لهدي السّلف، لكن لا يكفر صاحبها قطعًا إن كان متأولًا في ذلك والله أعلم.

وفي كلّ الأحوال فإنّ هذا كلّه بعيدٌ عن منهج الهيئة الذي يصرّح به أمينها العام في كلامه السّابق، ذلك أن القوم يعطّلون حكم التّكفير الشرعي ليس لوجود موانع شرعية، أو تأويل مستساغ، بل لأنه نقضٌ لمنهجهم"الوطني"وكفرٌ بالرابطة"الوطنية"التي تعلو ولا يُعلى عليها عند هؤلاء، لذا تراهم يظهرون كلّ صور الموالاة لأبناء"الوطن العراقي"ممّن لا يختلف في تكفيرهم اثنان، ولا ينتطحُ فيهم عنزان، كالسيستاني ومقتدى الصّدر وأبناء باقر الحكيم وغيرهم من رؤوس الكفر والزندقة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عن قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان ) ): (انه -أي الإمام الحاكم- ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) [3] ، وقال النووي رحمه الله: (قال القاضي، فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع، أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب أمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر) [4] . وقال ابن بطَّال: (إلاَّ إذا وقع من السلطان الكفرُ الصَّريحُ، فلا تجوزُ طاعتُه في ذلك، بل تجب مجاهدَتُه لِمَن قدر عليها) [5] ، وقال القسطلاني رحمه الله: (وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن

(1) - صب العذاب على من سب الأصحاب: 1/ 322.

(2) - مجموع الفتاوى: ج 28/ 501.

(3) - فتح الباري: 13/ 123.

(4) - شرح صحيح مسلم: 12/ 228.

(5) - قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة القيرواني: ج 1 / ص 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت