خاتمةٌ في
(( منهج الهيئة وحكم الإسلام فيه ) )
ممّا تقدّم تفصيله يتبيّن بلا ريبٍ: أنّ منهج الهيئة منهجٌ شركيّ يؤمن بـ"الديمقراطية"دينًا ونظامًا للحكم بغير ما أنزل الله. ودعوتها دعوةٌ جاهلية تؤمن بـ"الوطنية"وثنًا معبودًا وأصلًا تعقد عليه الولاء والبراء، ولأجله ترُدّ أحكامًا معلومةً من دين الإسلام بالاضطرار.
أما"الإسلام"الذي تصف نفسها به فليس لها منه إلا زعمٌ ودعوى لا حقيقة لها، فالمنهج"الديمقراطي الوطني"لم يترك للهيئة أصلًا للتوحيد ولوازمه إلا نقضه، يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء:60] [1] . ويقول: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ - وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَااتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:80 - 81] [2] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنّم ) )، قالوا: يا رسول الله وإن صام وإن صلّى؟، قال: (( وإن صام وإن صلّى وزعم أنه مسلم ) ) [3] .
أما"المقاومة"التي تلبس الهيئة لبوسه وترفعُ رايته، فليس له علاقةٌ بالجهاد الشرعي لا بالمبنى ولا بالمعنى، فرايةٌ هذا منهجها، وتلك غايتها رايةٌ طاغوتيةٌ، تُحاربُ شرع الله، وتوالي أعدائه، وتُعادي أوليائه، وتُقاتل لتكون كلمة الطّاغوت وأوليائه هي العليا، يقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} ، يقول الإمام الطبري رحمه الله: ( {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، يقول: في طاعة الله ومنهاج دينه، وشريعته التي شرعها لعباده، {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} ، يعني: في طاعة الشيطان وطريقه، ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله) [4] .
فالواجب على المسلم تجاه مثل هذه الفئة وأمثالها هو: أن يجتنب طاعتها أو اتباعها أو الرّكون إليها، ويعلن براءته منها ومن أتباعها، فيبغضها ويبغض أتباعها وإن كانوا أقرب قريب، ويخالفهم على باطلهم، ويُعلن عداوته لهم جميعًا، ويجاهدهم بكلّ مراتب الجهاد المشروعة على حسب الوسع والطاقة، وبما يحقّق المصلحة التي شُرع الجهاد لأجلها.
ومن أفضل ما يُجاهَدُ به هؤلاء: جهاد الحجّة والبيان، وذلك بفضحهم وكشف حقيقتهم، وإنذار النّاس منهم ومن شركهم وإفكهم، قيامًا بواجب النّصح للأمّة، وأداءً لفريضة إنكار المنكر، وتحقيقًا للتوحيد الذي هو أحقّ حقوق الله على العبيد، ولا يزيّننّ الشيطان السكوت عن مثل هؤلاء بحجة"درء الفتنة"و"توحيد كلمة المسلمين"وغيرها من شبه المتخاذلين الذين جهلوا دينهم، وانحرفت فطرتهم، فحقيقة الفتنة هي في ترك هؤلاء والسكوت عنهم وعن جهادهم، ومحاولة التوفيق بين شركهم وكفرهم وبين توحيد لله ودين الأنبياء.
يقول ابن القيّم رحمه الله: (كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم بذلك أنه محسنٌ قاصدٌ الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه، من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي،
(1) - يقول السعدي في تفسير الآية: (يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. {الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ} مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم {قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا} عن الحق.
(2) - يقول السعدي في تفسير الآية: (فإن الإيمان بالله وبالنبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد موالاة ربه، وموالاة أوليائه، ومعاداة من كفر به وعاداه، وأوضع في معاصيه، فشرط ولايةِ الله والإيمانِ به، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء، وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط، فدل على انتفاء المشروط. {وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به وبالنبي. ومن فسقهم موالاةُ أعداء الله) .
(3) - رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبّان والطبراني في الكبير، وهو حديثٌ صحيح.
(4) - تفسير الطبري: سورة النساء/ آية 76.