الجهاد: الجهاد لغةً من الجَهْد بالفتح وهو المشقّة، أو الجُهْد بالضم وهو الطاقة [1] ، فهو بذل الوسع والطاقة في تحصيل الأمر [2] ، ولذا سمّي الفقيه مجتهدًا لأنه يبذل ما في وسعه من جهد لاستنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية.
والجهاد في الشرع: [هو القتال في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا] ، قال - صلى الله عليه وسلم: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ) ) [3] . وهذا هو المعنى الخاص للجهاد الذي إذا أطلق لفظه فلا ينصرف إلا إليه، وجهاد الكفار له معنىً أعم دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة، وهو: [بذل ما في الوسع من جَهْد وطاقة في مدافعة الكفار، بالقلب واللسان والمال والنفس، لتكون كلمة الله هي العليا] ، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ) [4] ، وقال: (( فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ) [5] .
قال ابن القيّم رحمه الله: (وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخصّ باللسان) [6] ، لكن لفظ الجهاد إذا أطلق فلا يُراد به إلا القتال في سبيل الله، قال ابن رشد القرطبي رحمه الله: (وجهاد السيف قتال المشركين على الدين، فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أُطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام، أو يُعْطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [7] .
-الجهادُ في سبيل الله عبادة -
والجهاد عبادةٌ عظيمة، كتبها الله على هذه الأمّة، وفرضها عليهم كما لم يحصل لأيّ أمّة قبلهم، فكما أنه فرض الصيام عليهم بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [سورة البقرة: من الآية 183] ، فإنه فرض عليهم القتال بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: من الآية 216] ، وكما أنه أمرهم أن يتقوه حق تقاته: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: من الآية 102] ، فإنه أمرهم أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: من الآية78] ، وجعل الله هذه الفريضة باقية لازمةً للطائفة المنصورة من هذه الأمة حتى تصيح الساعة، قال - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة - قال - فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة ) ) [8] .
-الجهاد في سبيل الله أعلى مراتب الكفر بالطاغوت -
والجهاد ذروة سنام هذا الدين، وقبته وأعلى ما فيه وأظهره، قال - صلى الله عليه وسلم: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ) ) [9] ، وهو أعلى مراتب الكفر بالطاغوت تحقيقا للتوحيد، الذي هو أحقّ حقوق الله على العبيد، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76] ، لذا كانت منازل أهله أعلى المنازل في الدنيا والآخرة، يقول ابن القيّم رحمه الله: (كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقبته ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة [10] ، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة) [11] ، فالمجاهدون في سبيل الله هم المهديون في الدنيا،
(1) - تحفة الأحوذي: 7/ 305.
(2) - شرح زاد المستقنع للشنقيطي: 136/ 2.
(3) - متفق عليه.
(4) - رواه أحمد وأبو داود والدارمي، والنسائي بلفظ: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم ) ).
(5) - رواه مسلم.
(6) - زاد المعاد: 3/ 9.
(7) - المقدمات الممهدات لابن رشد: 1/ 342.
(8) - رواه مسلم.
(9) - رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو صحيح.
(10) - قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) )رواه البخاري.
(11) - زاد المعاد: 3/ 5.