ومن أكرم خلق الله في الآخرة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم, كما دل عليه قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى, ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء, فانظروا ماذا عليه أهل الثغور, فإن الحق معهم, لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ) [1] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة ) ) [2] .
-الجهاد في سبيل الله على نوعين -
كما أثبتت الأدلّة، وفصّل أهل العلم ...
1.جهاد الطلب: [وهو القتال في سبيل الله، طلبًا للكفار في عُقر دارهم، لتكون كلمة الله هي العليا] ، ويُسمّى أيضًا بجهاد الفتح، لأنّ به تُفتح البلاد، وتُرفع فيها راية التوحيد، وتُحَكَّم الشريعة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله.
قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5] ، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ) ) [3] .
وحكمها أنها فرضٌ على الكفاية، أي إذا قام بها طائفة من الناس وحصلت الكفاية، سقط الفرض عن الباقين، وإن لم تحصل الكفاية أثِم كلّ من توفرت فيه شروط الوجوب، وهي تسعة [4] : 1.الإسلام، 2.والعقل، 3.والبلوغ، 4.والذكورة، 5.والسلامة من الضرر (الاستطاعة البدنية) ، 6.والقدرة على الإنفاق (الاستطاعة المادية) ، 7.وإذن الوالدين، 8.وإذن الدائن لمن كان مدينًا، 9.وإذن السيد لمن لم يكن حرًا.
ومن لوازم هذا النوع من الجهاد أن يكون للمسلمين دارٌ للإسلام، وإمام لهم، وهو الذي يستنفر لغزو الكفار وطلبهم في عقر دارهم، قال - صلى الله عليه وسلم: (( وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ) ) [5] .
وقال أهل العلم أن هذا النوع من الجهاد يكون أقلّه مرّة في العام قياسًا على الجزية المأخوذة من الكفار، يقول ابن قدامة رحمه الله: (وأقل ما يفعل -أي جهاد الطلب- مرة في كل عام؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها وهو الجهاد، فيجب في كل عام مرة، إلا من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة ... ) [6] .
2.جهاد الدفع: [وهو القتال في سبيل الله، دفعًا للكفار الصائلين عن ديار الإسلام] ، فالغاية من قتال الكفار في هذا النوع من الجهاد، هو حفظ بيضة الإسلام، وحقن دماء المسلمين، وصون أعراضهم. ودفع شرّ الكفار، ومفسدة كفرهم عن ديار المسلمين التي صالوا عليها وجاسوا خلالها.
(1) - الفتاوى 28/ 442.
(2) - متفق عليه.
(3) - متفق عليه.
(4) - المغني لابن قدامة الحنبلي: 10/ 366، و381 - 384.
(5) - متفق عليه.
(6) - المغني: 10/ 362.