قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال:15] ، وقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190] ، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: من الآية194] .
وحكم هذا النوع من الجهاد أنه فرض عين، أي لا يسقط عن عين المكلّف المُخاطب بفريضة الجهاد، ويأثم القاعد عنها وإن قامت به كلّ الأمة، وهذا الحكم ممّا أجمع عليه أهل الإسلام كما سيأتي، ولا يلزم لجهاد الدّفع ما يلزم لجهاد الطلب من وجود الإمام والدار المنيعة، بل يقاتل المسلم ولو لوحده، ولا يبقى من شروط الوجوب العيني إلا أن يكون الشخص مكلّفا (مسلمًا بالغًا عاقلًا) ، وأن يكون ذكرًا (على الرأي الراجح) ، وسليمًا من الضرر (القدرة البدنية) .
يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: (قد تكون حالة يجب فيها نفير الكل وهي الرابعة: وذلك إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك؛ وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا، أو يخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، ومن كان له أب بغير إذنه، ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثّر) [1] .
وهذا النوع من الجهاد (جهاد الدفع) هو المتعيّن اليوم على المسلمين في الدور التي يعيشون فيها (دور الكفر الطارئ) ، فجهاد الكفار اليوم كلّه من جنس جهاد الدّفع، الغاية منه استرداد دار الإسلام المغصوبة، دفعًا لمن استولى عليها من الكفار الصائلين.
-أنّ الغاية من الجهاد في سبيل الله هي:
حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كلّه لله، وتكون كلمة الله هي العليا -
فقتال الكفار في سبيل الله يُراد لذاته ولغيره، يُرادُ لذاته لأنه عبادة عظيمةٌ تُنال بها أعظم الأجور، وتُمحى بها عظائم الذنوب، ويُتوَصّلُ بها إلى رضا الله والدّرجات العُلى في الجنّة، قال - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله عن عمل يعْدلُ أجر الجهاد، فقال: (( لا تستطيعونه ) )، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: (( لا تستطيعونه ) ). وقال في الثالثة: (( مثلُ المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى ) ) [2] .
وقال: (( إن في الجنة مائة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ) ) [3] .
وقال: (( تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادًا في سبيلي، وإيمانا أبى وتصديقا برسلي، فهو على ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجرٍ أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما من كلمٍ يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يُشقّ على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، ولا يجدون سعةً ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل ) ) [4] .
فالجهاد في سبيل الله ليس وسيلةً محضة، بل عبادة مقصودة لذاتها فضلًا عن كونها وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة ومصالحها التي شُرعت لأجلها، وهذا هو مقتضى النصوص السابقة التي يتمنّى فيها سيّد الخلق - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتخلّف عن سرية تخرج للقتال، بل يتمنّى أن يُقتل فيها ويكرّر ذلك تحريضًا للمؤمنين، وتشويقًا لهم.
كما إنّ الجهاد يُراد لغيره تحقيقًا لما شُرع له من دفع الكفّار وتعذيبهم بأيدي المؤمنين، ومحق كفرهم ومدافعة إفسادهم في الأرض،
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: تفسير سورة التوبة.
(2) - رواه مسلم.
(3) - رواه البخاري.
(4) - رواه مسلم.