فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 65

عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى"الياسا"وقدمها عليه من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين) [1] ...

2 -التحاكم إلى شرع الله: وهذه هي العبودية العامة، التي كلّف الله بها كل عباده، وأمرهم بأوكد الأدلة أن لا يصرفوها إلا إليه، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: من الآية10] ، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ} [النساء: من الآية59] ، وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا} [النساء:60] ، وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] .

وعبادة التحاكم: (هي الردّ إلى شرع الله في معرض النزاع والخلاف والشجار، مع الرضا وانتفاء الحرج من حكم الله في القلب، والتسليم لهذا الحكم والانقياد له في الظاهر) .

فالسبب الذي يجعل هذه العبادة فرضًا واجبًا على كلّ مسلمٍ مكلّف: هو الخلاف والنزاع، في أيّ مسألة، أيًّا كان حجمها ونوعها: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، وركن هذه العبادة: هو ردّ هذا النزاع إلى شرع الله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، وشرطا هذه العبادة التي لا تصحّ إلا بها: هو الرضا بالقلب لحكم الله، والانقياد بالظاهر لذلك الحكم: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

ومن ذلك يتبيّن؛ أن عبادة التحاكم ليست من نوافل العبادات، بل في أصل إيمان العباد، فمن لم يتحاكم إلى شرع الله في معرض النزاع فقد كفر وانتفى عنه الإيمان، ومن تحاكم إلى غير شرع الله فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه، وهذا شركٌ أكبر لأنه عبادة للطاغوت، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء:60] .

يقول ابن القيم رحمه الله: (أن قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} ، نكرة في سياق الشرط، تعمّ كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين، دِقّه وجِلّه، جليّه وخفيّه، ... ثم قال: ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة.) [2] ، ويقول ابن كثير رحمه الله عن نفس الآية: (أي: ردّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدلّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر) [3] .

فائدة: إفرادُ الله عزّ وجل في (ربوبيته، وأسمائه وصفاته) ، يسمّى بالتوحيد"العلمي الخبري"، أو توحيد"المعرفة والإثبات"، وهو توحيد الاعتقاد، ذلك أنّه يتحقّق: بمعرفة ما اختصّه الله لنفسه من أفعاله، وأسمائه وصفاته، وإثباتها له وإفراده بها وحده، وانعقاد القلب على ذلك انعقادًا جازمًا .. لذلك لا يصحّ توحيد العبد حتى ينعقد قلبه على إفراد الله بالتشريع، كونه من أفعال الربوبية، وإثبات كلّ صفات الكمال التي وصف الله بها شرعه، والتي أثبتها الله بأوضح الأدلة وأبينها. أما إفراد الله عزّ وجل في (ألوهيته) ، فيسمّى بتوحيد"الإرادة والطلب"، وهو توحيد العبادة، والذي يتحقق بإخلاص العبادة لله على ما شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، .. لذلك لا يصح توحيد العبد حتى يوحد الله في حاكميته، ويكون ذلك بالحكم بما أنزل الله، والتحاكم إلى شرع الله، قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] .

وقسمي التوحيد: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الإرادة والطلب، متلازمان، فمن اعتقد مثلًا: أن الخلق والرزق من أفعال الربوبية،

(1) - البداية والنهاية: 13/ 119.

(2) - أعلام الموقعين: 1/ 49.

(3) - تفسير ابن كثير: سورة النساء: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت