فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 65

-وصنفٌ لم ينفوا صفات الكمال عن شرع الله، لكنهم مثّلوها بصفات شرائع المخلوقين وأباطيلهم، فقالوا: شرع الله عدلٌ ورحمةٌ وحكمة، وكذلك"الديمقراطية"رحمة وحكمة، وعدالة وتقدّم، فأثبتوا صفات الكمال لله، ولم ينفوها عن شرائع الطواغيت، وهذا هو التمثيل المكفّر، وهؤلاء الذين عادة ما يضفون على أنفسهم صفة الإسلام زورًا، يلحقون بمن سبقهم من الصنف الأول،: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد:26] .

قال ابن القيّم رحمه الله: (فالتوحيد العلمي الخبري له ضدان: التعطيلُ، والتشبيه والتمثيلُ، فمن نفى صفات الربّ عزّ وجلّ، وعطلها، كذّب تعطيلُه توحيدَه، ومن شبّههُ بخلْقه ومثلّه بهم، كذّب تشبيهُه وتمثيلُه توحيدَه) [1] .

2 -إفراد الله بالألوهية والعبادة، (توحيد الإرادة والطلب) ، وعلاقته بالحكم بما أنزل الله، والتحاكم إلى شرع الله:

-وهو القسم الثالث من التوحيد (توحيد الألوهية) : وهو [إفراد الله بالعبادة] ، وهي: أفعال العباد الصاعدة إليه، قال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: من الآية59] ، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: من الآية36] ،وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: من الآية10] ، وهذا النوع من التوحيد هو الذي لأجله خلق الله الخلق، وأرسل إليهم الرّسل، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56] ، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الانبياء:25] .

-فما هي العبادة التي لأجلها خلق الله الخلْق، وأرسل الرّسل؟

يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (العبادةُ: هي اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة) [2] ، فكلّ ما يحبه الله من أفعال العباد الصاعدة إليه، ممّا أمر الله به ومدح فاعله وأثابه، وجعله من صفات المؤمنين، أو نهى عن تركه وذمّ تاركه، ورتب على ذلك وعيدًا (عقوبة أو حرمانًا للأجر) ، وجعل تركه من صفات العصاة والمنافقين والمشركين، يصدُقُ عليه اسم العبادة، ومن العبادات ما يكون من اعتقاد القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح.

ومن أعظم العبادات التي أمر الله العباد بها، وجعلها من لوازم الإيمان، إفراده بالحكم، وعبودية الناس لحاكمية الله المطلقة على صنفين:

1 -الحكم بما أنزل الله: وهذه العبادة خاصة بأولياء الأمور والحكام، قال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: من الآية48] ، {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: من الآية49] ، {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} [صّ: من الآية26] ، {إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: من الآية105] .

فتشريع الشرائع، وإنزال الأحكام من أفعال الله النازلة إلى عباده (الربوبية) ، والحكم بهذه الشرائع عبادةٌ ومن أفعال العباد الصاعدة إلى الله، أمر الله بها أولياء الأمور والحكام (الألوهية) .

وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية44] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: من الآية45] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: من الآية47] .

ومن ذلك يتبيّن أن الحكم بما أنزل الله ليس من نوافل العبادات، بل في أصل إيمان الحكام، وأن كل ما سوى حكم الله فهو إتّباع للهوى، وأن الحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ أكبر مُخرجٌ من الملّة، قال ابن كثير رحمه الله وهو يصف التّتار، الذين حكموا الناس بقانون"الياسق": ( .. يقدمونه على الحُكم بكتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم: فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكّم سواه في قليل ولا كثير [3] ، وقال عنهم: (وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على

(1) - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية: 1>43.

(2) - مجموع الفتاوى:10>149.

(3) - تفسير سورة المائدة/ الآية50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت