فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 65

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: من الآية31] ، وعن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - وكان نصرانيا فأسلم: أنه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، فقال: إنا لسنا نعبدهم. قال - صلى الله عليه وسلم: (( أليس يُحرّمون ما أحَلّ الله فتحرّمونه، ويُحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ) )، فقال: بلى، قال - صلى الله عليه وسلم: (( فتلك عبادتهم ) ) [1] .

-ومن اعتقد أن له حقّا في التشريع بما لم يأذن به الله، فقد جعل من نفسه ندًّا لله وربًا يُنازعه في تدبيره الشرعي، وهذه هي حقيقة شرك الطواغيت المشرّعين على اختلاف أشكالهم ("برلمانيين"وغيرهم) ، وهو شرك الربوبية، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ الله} [الشورى: من الآية21] ، وعن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: أرأيت قول الله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ... } ؟ قال:"أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئا أحلّه الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم [2] ".

-القسم الثاني (توحيد الأسماء والصفات) : وهو [إفراد الله تعالى بما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، في كتابه أو سنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ونفيُ ما نفاه عن نفسه، من غير: تعطيلٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تحريف)، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: من الآية11] ، فنثبت لله أسمائه وصفاته، وكما يليق بجلاله، فلا نُعطّل ما أثبته الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نُمثّّله بصفات المخلوقين، ولا نكيّف صفاته على ما تهواه العقول القاصرة، ولا نُحرّف معانيها أو نصرفها على غير مُرادها، كما روي عن الإمام مالك رحمه الله، حول استواء الربّ عز وجلّ على عرشه: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) [3] .

وقد وصف الله شرْعه الذي أنزله على عباده، بما وصف به نفسه من صفات الكمال، من العلم والرحمة والحكمة والقسط، ونفى عن هذا الشرْع الظلم والجور والحيف، قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: من الآية29] ، وقال: {وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [المائدة: من الآية42] ، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: من الآية90] ، وقال: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: من الآية10] ، وقال: {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: من الآية50] ، وقال: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: من الآية182] ، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: من الآية46] ، {وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [قّ: من الآية29] .

فلا يصحّ للعبد إيمان، ولا يستقيم له دين، حتى يعقد قلبه على هذه الحقيقة تصديقًا وإقرارًا: [أن شرع الله متّصفٌ بكلّ صفات الكمال] ، وأنّ كل ما سوى شرع الله، فهو جاهلية، وإتباعٌ للهوى، وظلمٌ وإضلالٌ للعباد، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ، وقال: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: من الآية48] ، وقال: {وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} [الرعد:37] ، وقال: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم:29] .

والناس ممّن أشرك في هذا القسم من التوحيد صنفان:

-صنفٌ عطّل هذه الصفات بالكلية، فوصف شرع الله بكل صفات النقص، من الظلمِ والجورِ والتخلّفِ والرّجعيةِ، ونفى عنه ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، وهؤلاء هم طوائف العلمانيين والملاحدة والمنافقين، الذين أبغضوا شرع الله، فسقطوا في التعطيل المكفّر، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:8 - 9] .

(1) - رواه أحمد والترمذي وحسّنه.

(2) - تفسير الطبري: سورة التوبة.

(3) - مجموع الفتاوى: 3>25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت