والطواغيت المعبودة من دون الله كثيرة، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (والطواغيت كثيرون رؤوسهم خمسة: 1 - إبليس لعنه الله، 2 - ومن عُبد وهو راضٍ، 3 - ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، 4 - ومن ادّعى شيئا من علم الغيب، 5 - ومن حكم بغير ما أنزل الله) [1] .
فالحاكم بغير ما أنزل الله، من رؤوس هذه الطواغيت، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} ، قال في فتح المجيد: (فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقد حاكم إلى الطاغوت، الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكفروا به، فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن كان يحكم بهما؛ فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزله منزلة لا يستحقها) [2] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والمُطاع في معصية الله، والمطاع في إتباع غير الهدى ودين الحق، سواء كان مقبولا خبره المخالف لكتاب الله، أو مطاعا أمره المخالف لأمر الله، هو طاغوت، ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت وسمى الله فرعون وعادا طغاة .. ) [3] .
قال ابن القيّم رحمه الله: (ثم أخبر سبحانه: أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله) .
وقال في طريق الهجرتين: (ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أُمر أن يكفر به، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده.) [4] .
وكما تقدّم، فإن القدر المشترك لكل الطواغيت: هو المنازعة على الربوبية والإلوهية، مع الله المعبود الحق، قال تعالى لموسى - عليه السلام: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [النازعات:17] ، وقال على لسان فرعون الطاغوت: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: من الآية38] ، {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء:29] ، فأعلن فرعون أنه هو الربّ وهو الإله، وهذه هي حقيقة الطواغيت في كلّ عصر (منازعة الله عزّ وجلّ في الربوبية والألوهية) ، وكانت عبودية أتباع فرعون، أنهم اتبعوا ما كان يحكم به وأطاعوه عليها، وتحاكموا إليها، قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: من الآية29] ، وقال: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف:54] .
فإذا عُلم ذلك، تبيّن أن أعظم الطواغيت المعبودين في الأرض اليوم: هم الحكام بغير ما أنزل الله، (فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته) [5] . فالأرض كلها اليوم تُحكم بشرائع هؤلاء الطواغيت.
-تحقيق التوحيد والكفر بالطاغوت الحاكم بغير ما أنزل الله -
أن تحقيق التوحيد مستلزمٌ للكفر بالطاغوت لأنه ركنه الأول الذي لا يصحّ إلا به، ومنه هذا الطاغوت الحاكم بغير ما أنزل الله، وكما مرّ تفصيله، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ، ومنه يتبيّن أهمية هذا الموضوع، وأنه ليس من
(1) - عقيدة الفرقة الناجية 1/ 34.
(2) - فتح المجيد: 1/ 379.
(3) - مجموع الفتاوى: ج28 ص201 ..
(4) - طريق الهجرتين: 1/ 66.
(5) - أعلام الموقعين: 1>49.