نوافل الأمور، بل لا يصحّ للمرء إيمانه ولا يستقيم دينه إلا بالإتيان به، قال - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم: (( من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) )، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل اللفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شكّ أو تردّد، لم يحرُم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلّها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجةٍ ما أقطعها للمنازع) [1] .
-صيغة الكفر بالطاغوت الحاكم بغير ما أنزل الله، ومراتبه -
-أولًا: معرفة هذا الطاغوت .. قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: من الآية19] ، فالعلم بالطاغوت ومعرفته، هو أول مراحل الكفر به، والجهل بالطواغيت من أعظم أسباب سقوط الناس في هذا النوع من الشرك، وصرف العبادة للطواغيت الحاكمين بغير ما أنزل الله (طاعةً وإتباعًا وتحاكمًا) ، فمن لم يعرف الطاغوت فإنه لا محالةَ ساقطٌ في عبادته، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} . قال ابن القيم رحمه الله: (فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال: تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} ، فالعلم بوحدانيته تعالى، وأنه لا إله إلا هو، مطلوب لذاته، وان كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وان يُعبد بموجبها ومقتضاها) [2] .
-ثانيًا: اجتناب هذا الطاغوت وترك عبادته والتحاكم إليه: وهذه مُترتبّة على التي قبلها، فبعد معرفة الطاغوت المعبود من دون الله، وجب اجتنابه رأسًا واعتزاله، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: من الآية36] ، {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ} [الكهف: من الآية16] ، {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: من الآية49] ، {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي} [مريم: من الآية48] ، قال ابن كثير في هذه الآية: (أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، {وَأَدْعُو رَبِّي} أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له) .
فمن كان جاهلًا بالطاغوت الحاكم بغير ما أنزل الله، ساقطًا في عبادته، مواليًا له ومُطيعًا لأمره، ومُتابعًا له على شرعه، ومتحاكمًا إليه؛ وجب عليه التوبة والإنابة إلى الله، ولا يكون ذلك ابتداءً إلا باجتناب هذا الطاغوت، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر:17] ، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يقول: وتابوا إلى الله، ورجعوا إلى الإقرار بتوحيده، والعمل بطاعته، والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) .
-ثالثًا: تكفير هذا الطاغوت وتكفير أنصاره ... وهذا من لوازم الكفر بالطاغوت، وهو حكم الله في الطواغيت وأنصارهم كما صرّح القرآن، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية44] ، وقال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: من الآية8] ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ، وقوله على لسان إبراهيم - عليه السلام: {كَفَرْنَا بِكُمْ} ، كما سيأتي في سورة الممتحنة، يقول الشيخ سليمان بن سمحان:
وإظهارُ هذا الدين تصريحٌ لهم ... بالكفر إذ هم معشرٌ كفارُ ...
وعداوةٌ تبدو وبغضٌ ظاهرٌ ... يا للعقول أما لكم أفكار
والطاغوت الذي يجب تكفيره قد يكون شخصًا عاقلًا (كالحاكم بغير ما أنزل الله والساحر ومدّعي علم الغيب) ، وقد يكون غير عاقل
(1) - فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
(2) - مفتاح دار السعادة: 1/ 178.