فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 65

ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية) [1] .

فهذا الوعيد فيمن آثر حبّ الوطن وغيره وتقاعس عن القيام بواجبي الهجرة والجهاد في سبيل الله، فكيف بمن جعل من حبّ الوطن غاية يُقاتل من أجلها، ويبذلُ في سبيلها الأموال والأنفس، ويعقد عليها ولائه وبرائه، وحبّه وبغضه، ونُصرته وعداوته، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، إلا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلّغت؟ ) ) [2] .

إنّ هذا المعنى من العلاقة بين الناس والوطن معنىً دخيل مُحدثٌ، لم يعرفه المسلمون من قبل، وقد ظهر مع ظهور المناهج الجاهلية المنحرفة التي غزت ديار الإسلام بعد سقوط الخلافة، وزوال دار الإسلام التي تُحكم بشرع الله، حيث كانت نابتةُ"القومية"من أولى معاول الهدم التي دكّت أسس العقيدة الإسلامية، وجعلت من الانتماء للقومية (الطورانية أو العربية أو الفينيقية وغيرها) أساسًا للاجتماع والولاء والنصرة، ومن رحِم هذه"القومية"التي فشلت في مشروعها فشلًا ذريعًا ولله الحمد، ظهرت"الوطنية"بهذا المفهوم الجديد بديلًا مقبولا أقدر على الاستمرار، خاصّة إذا تلبّست بلبوس الدين، واستبدلت عبارات: (التأريخ العربي الإسلامي) ، و (المشروع العربي الإسلامي) ، و (الحضارة العربية الإسلامية) بعبارات: (الحركات الوطنية الإسلامية) ، و (المؤتمر الوطني الإسلامي) ، و (المقاومة الوطنية الإسلامية) ، وغيرها.

-حكم الإسلام في"الوطنية"والمنهج"الوطني"-

إنها كفرٌ أكبر مخرجٍ من الملّة، لكلّ من اعتنقها أو دعا لها أو عمل لأجلها، وهي دينٌ باطلٌ جديد، ومنجٌ جاهليٌّ ناقضٌ لأصل التوحيد.

-من نواقض الإسلام في دين"الوطنية"-

أولا: الشركٌ بالله: لأنّ المنهج الوطني بهذا المعنى هو اتخاذٌ لـ"الوطن"وثنًا جديدًا، وطاغوتًا معبودًا من دون الله، ولأنها تُلزم الناس بالعمل لها وحدها والتضحية والقتال في سبيلها، وصرف البغض والبراء وما يتبعهما ضد كل خارج عن حدود أرضها، وصرف الحب والولاء وما يتبعهما لأبناء"الوطن"وإن كانوا من أعظم الناس كفرًا وأغلظهم شركًا.

وهي بهذا تكون ندًا يُعبد من دون الله، لأن ذلك يقوم مقام النفي والبراء، والإثبات والولاء وهما ركنا كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله". فـ"لا إله"نفي وبراء وكفرٌ بالطاغوت، و"إلا الله"إثبات وولاء وإيمانٌ بالله واحدًا لا شريك له، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [سورة البقرة: 165] .

ثانيًا: نقضُ أصل الولاء والبراء، وموالاةُ للكفّار: ذلك أن أصل الولاء والبراء قائمٌ على مسألة المفاصلة والمفارقة بين المسلمين وغيرهم على أساس الدين، والالتزام بشرائع الإسلام، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: من الآية55] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57] .

أما في دين"الوطنية"فلا يبقى لهذا الأصل العظيم ركنٌ إلا ونقضه هذا الدين الباطل الجديد وحاربه وميّعه، فالموالاة عند الوطنيين قائمة على أساس الانتماء للأرض التي تحيطها حدود ذلك الوطن أيّا كان واضعها، وهذا يلزم منه إزالة الفوارق التي وضعها الله سببًا شرعيًا للمفاصلة والبراءة من الكفار، لذلك ترى"الوطنيين"يحاربون هذه الفوارق حربًا شديدة، ويجمعون أبناء الوطن الواحد في"بوتقة واحدة"كما يقولون، ولا يتردّدون في إظهار مودّتهم لهؤلاء وإن كانوا من أشنع الناس كفرًا وأغلظهم ردّةً، ونُصرتهم على من

(1) - تفسير سورة النساء: لآية 97.

(2) - مسند أحمد بن حنبل: 23536، وإسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت