عاداهم وإن كانوا من أولى أولياء الله، ماداموا في الجانب الآخر للحدود المصطنعة لهذا الوطن!، مصادمين نصوص الشرع الصحيحة الصريحة بنصوص وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان، من مثل (الدين لله والوطن للجميع) و (كل شيء في سبيل الوحدة الوطنية) و (مشاعر العزة الوطنية) وغيرها، والله تعالى يقول: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا - الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء:138 - 139] .
ثالثًا: الحكم بغير ما أنزل الله [1] : ذلك أنّ جعل الرابط"الوطني"حاكمًا على رابط الدّين يلزم منه الامتناع عن التزام الحكم بشرع الله الذي ينسف هذا الرابط، ويكفر بالحدود"الوطنية"، ويجعل من هذا الوطن (دار الإسلام) التي تُلزم المسلمين أيًّا كانت أوطانهم بالهجرة إليها، ويعيش فيها المسلم المهاجر عزيزًا وإن لم يولد فيها، والكافر"المواطن"صاغرًا لا يعصم دمه إلا بدفع الجزية والخضوع لأحكام أهل الذمّة.
لذلك ترى"الوطنيين"من أبعد الناس عن تطبيق شرع الله، أو السعي لذلك، أو حتى التلميح له، وواقعهم في هذا الجانب أوضح من أن يُفصّل فيه.
رابعًا: المساواة بين المسلمين والكفّار: فجعل الرابط"الوطني"والانتماء للأرض أساسًا لمعاملة الناس يُزيل حتمًا الفوارق المبنية على أساس الدّين، والتي جعلها الله السبب الشرعي للتمييز بين الناس في الدنيا و الآخرة، ويجعل الناس مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم في مرتبة واحدة، وهذا تكذيبٌ صريحٌ لنصوص الدّين القطعية الصريحة، وردٌّ لأحكامها، يقول تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم:36] ، ويقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [صّ:28] .خامسًا: تعطيل جهاد الطلب [2] : الذي يكون بالقتال في سبيل الله طلبًا للكفار في عقر دارهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكما مرّ تفصيله سابقًا في الفصل الثاني.
أمّا في دين"الوطنية"فالجهاد مُقزّمٌ محجورٌ عليه، ولا يتجاوز الدفاع عن حدود الوطن ضدّ الاعتداء الخارجي، والغاية العظمى له هو الحفاظ على وحدة"الوطن"وسلامة حدوده، أمّا تجاوز هذه الحدود طلبًا للكفار الذين يلوننا حتى يُحكموا بشرع الله، فهو اعتداءٌ وخرقٌ"للأمن الوطني"لدول الجوار، كما أنه نسفٌ"للسّلم الدولي"و علاقات"حسن الجوار"و"تدخّلٌ في الشؤون الداخلية"لهذه الدول.
وهذا الأمر تعطيل صريحٌ لفريضة الجهاد، وردٌّ للأحكام المعلومة من الدين بالضرورة في قتال الكفّار حيثما وجدوا حتى يُعبد الله، ويزول الشرك من الأرض وتُحكم الأرض بما أنزل الله. لذلك ترى هؤلاء"الوطنيين"وقد استبدلوا مصطلح"الجهاد"الشرعي بـ"المقاومة الوطنية"، فلفظ (المقاومة) يوسّع المعنى المقيّد للجهاد في قتال المسلمين للكفار، إلى قتال أهل الوطن أيًّا كان دينهم للغزاة المحتلين دفاعًا عن حدود الوطن ووحدته، ولفظ (الوطنية) يحجّرُ المعنى الواسع للجهاد الذي يشملُ كلّ أرضٍ لا يكون فيها الدين كلّه لله، ويحصره داخل الحدود التي رسمها هؤلاء"للوطن"، والله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: من الآية39] ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123] ، ويقول: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5] ، ويقول: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36] ، وغيرها من
(1) - ويصدق في هذا الموضع عن هذا الناقض الخطير ما تمّ تفصيله في موضوع"الديمقراطية".
(2) - يراجع موضوع الجهاد في الفصل الثاني.