فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 65

بالعلامات القطعية الدالة عليه من القول أو العمل، قال تعالى: {وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140] ، فجعل من الجلوس مع هؤلاء من غير إكراه ولا إنكار ولا انصرافٍ عنهم، علامةً على الرّضا بكفرهم، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: (إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه، ولا إنكار ولا قيامٍ عنهم، حتى يخوضوا في حديثٍ غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأنّ ذلك يتضمن الرضا بالكفر، والرضا بالكفرِ كفرٌ. وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه؛ لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافرًا) [1] .

والمشاركة في الانتخابات هنا متضمنٌ للرضا بدين"الديمقراطية"، والرضا بهؤلاء الطواغيت أولياءً وحكامًا على رقاب المسلمين، والرضا بما سوف يحكمون به من"دستور"الكفر والباطل. وأيّ علامة على الرضا بذلك أظهر من أن يذهب الواحدُ منهم مُختارًا، جاهدًا في طوابير طويلة، مُعرضًا عن إنذار أهل التوحيد، بل مُتحديا تحذيرهم، ومُقتحمًا مظنّة الموت ليُدلي بصوته مؤيدًا لهذا المُرشّح أو ذاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

3 -أنّه اتّخاذٌ لهؤلاء البشر أربابًا من دون الله: وقد مرّ تفصيلُ هذه المسألة في الفقرات السابقة، ذلك أنّ التشريع من أفعال الربوبية التي اختصها الله لنفسه، فمن اعتقد أن غير الله له حقّ التشريع، فقد أشرك في توحيد الربوبية: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، ومن بادر وانتخب هؤلاء المشرّعين، مُختارًا لذلك راغبًا به، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، ولا توجد صورة أوضح من هذه تُبيّن معنى اتخاذ الأرباب في هذه الآية. يقول الشنقيطي رحمه الله: (ولمّا كان التشريع وجميع الأحكام، شرعيةً كانت، أم كونيةً قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كلّ من اتّبع تشريعًا غير تشريع الله، فقد اتخذ ذلك المُشرّع ربًا وأشركه مع الله .. ) [2] .

4 -أنه مُتضمّنٌ لإرادة التحاكم لهؤلاء الطواغيت مستقبلًا: فمن لوازم الرضا بهؤلاء واتخاذهم أربابًا مشرعين وطواغيت حاكمين؛ إرادة التحاكم إليهم، والاستسلام لدستورهم وتشريعهم وطاعته والخضوع له، أيًا كانت نتيجة الانتخابات، وهذا ممّا عُلم من دين"الديمقراطية"بالضرورة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} .

5 -إنّه اعتناقٌ لدين آخر غير دين الإسلام:"فالديمقراطية"بحقّ دينٌ باطلٌ جديد كما مرّ بنا، وكما قال القرآن على لسان فرعون الطاغوت: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26] .

فمن اتخذه وسيلة للحكم في هذه الدّيار، فقد ابتغى أحكام الجاهلية التي تحكم بها"الديمقراطية"، وابتغى غير الإسلام دينًا يدين به، طاعةً وتذللًا وخضوعًا، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ، وقال: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83] ، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85] . وكما مرّ تبيينه، فإنّ هذا الناقض يشمل عوامّ الناس في الدول الحاكمة بغير ما أنزل الله، فوجب التفصيل فيه، والتأكد من تحقّق المناط -سبب الحكم- في أعيان الناس قبل الحكم عليهم، مع توفّر شروطه وانتفاء موانعه، وكما هو معلوم في كتب أهل العلم ممّن

(1) - مجموعة التوحيد.

(2) - أضواء البيان: 7/ 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت