فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 259

الله، بل إنّ النّص القرآني يؤكد أنّ فرعون ملعون في الدنيا والآخرة، يقول تعالى:''وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين'' [1] ،فحياته لعنة مستمرة عليه، وظلام دامس لا يخالطه بصيص من نور.

الثاني: ما قصه القرآن علينا من حياة فرعون يدلّ على حقيقة استكثاره من المعاصي، فليس هناك ذكر لفرعون في القرآن إلاّ وهو مرتبط ومقترن بذكر معصية أو جريمة، فهو كافر بدعواه للألوهية والربوبية وباعتقاده أنّه لا يرجع إلى الله. ولم يكتف بالكفر وحده بل دعا النّاس إليه، وصد عن سبيل الله كثيرا ... وهو متكبر يتّرفع عن عبادة الله، ويرى نفسه فوق الناس حيث يحتقرهم ويزدريهم ... ومستكبر يرفض الحق بعد تبيّنه، فامتنع عن قبول الحق بعد العديد من الآيات التي بعث الله بها موسى، فإنّ كثرة الآيات وقوتها وتراخيها لفترات طويلة وتكرار بعضها كالعصا يدلّ على قوة الحجة والبرهان الذي قام على فرعون، فكان استكباره بعد ذلك إسرافا في الإستكبار ... وهو متجبر طاغ يبطش بقلب لا رحمة فيه، ينشر الخوف والرعب والقتل وسفك الدماء مرة بعد مرة ... وهو يقهر النّاس بالصلب والسجن والإرهاب بكل صوره وألوانه، ويعتدي على الأعراض ويستحيي النّساء لإذلالهم، ويأخذ الأموال بالباطل، وينشر الفرقة بين النّاس فيتحاسدون ويتباغضون ويحقدون وتمتلؤ قلوبهم وعقولهم بمعاني الكراهية والتباعد والتدابر، ويفسد عقول النّاس بالسحر والشعوذة والكذب والتضليل ... وهكذا كان فرعون مسرفا مستكثرا من المعاصي في مختلف شؤون الحياة.

هناك معصية وهناك إسراف في المعصية، فإذا كانت المعصية دلالة على الضعف البشري فإنّ الاستكثار منها يدل على موت الروح الإنسانية. قد تكون المعصية مفسرة-ولا أقول مبررة لأنّ المعصية لا تبرر-كمعصية الزنا بوجود التجاذب بين الجنسين .. بينما اللواط إسراف في المعصية لأنّه معصية غير مفسرة، ولهذا كانت عقوبة قوم لوط قاسية، حيث أرسل الله عليهم حجارة من طين''مسومة عند ربك للمسرفين'' [2] ،وقلب بهم الأرض فجعل عاليها سافلها. والمعنى أنّ الإسراف في المعاصي حالة هستيرية يُصاب بها الطواغيت ولا نجد لها تفسيرا.

وقد تكون المعصية إشباعا لرغبة أو شهوة أو غريزة بهيمية بطريق حرام، بينما يكون الإسراف لمجرد الإنتقام وتفريغ الأحقاد، فيصل المسرف حد التمتع بآلام الآخرين، والارتياح لعذاباتهم. فالفرق واضح بين من يسرق متاعا أو مالا وبين من يُتلفه انتقاما وحقدا، فالأولى جريمة ومعصية، والثانية إسراف في الجريمة والمعصية.

ولهذا ربط التصور الإسلامي بين الإسراف وبين عدم حب الله وبغضه لصاحبه، يقول تعالى:''ولاتسرفوا إنّه لا يحب المسرفين'' [3] (بل يبغضهم ولا يرضى أفعالهم، والجملة في موضع

(1) [القصص:42] .

(2) [الذاريات:34] .

(3) [الأعراف:31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت