فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 259

ما فيه) [1] ،فكانت كل هذه الترتيبات وبالا عليه، حيث كشفت الحقيقة- التي طالما اجتهد موسى عليه السلام لإظهارها وإبرازها للنّاس-كشفا هائلا وبشكل لايدع مجالا لأيّ شك أو ريب، فكان فرعون بغروره ووهمه أن فعل ما يخدم قضية موسى عليه السلام خدمة جليلة كبيرة ربما لم تكن حتى في حساب موسى عليه السلام نفسه.

ومن دلائل وهم فرعون وغروره قوله للسحرة حين آمنوا:''ولتعلمنّ أيّنا أشد عذابا وأبقى'' [2] ،والمعنى (ولتعلمنّ أينا يريد به نفسه وموسى عليه الصلاة والسلام لقوله: آمنتم له قبل أن آذن لكم، واللام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغيره تعالى، وهذا إمّا لقصد توضيع موسى عليه الصلاة والسلام والهزء به لأنّه لم يكن من التعذيب في شيء، وإمّا لإراءة أن إيمانهم لم يكن عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبل موسى عليه الصلاة والسلام، حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على أنفسهم أيضا. وقيل: يريد به رب موسى الذي آمنوا به بقولهم: آمنا برب هارون وموسى) [3] .وعلى كلا الوجهين فإنّ هذا الموقف المتشدد والمتشنج من فرعون وتهديده للسحرة بهذه الصيغة-بعد رؤيته للمعجزات وما جرى من إيمان السحرة-لأكبر دليل على غروره، فالقوة الظاهرة بين يديه من الجند والملأ والقوم أوهمته بالقدرة والاستطاعة وعمته عن إدراك الحقائق الكبرى التي جرت بين يديه.

وها هو المغرور الموهوم ينادي في قومه-وقد غرّه زخرف الحياة الدنيا وبهارجها:''ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين'' [4] .يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وعناده أنّه جمع قومه فنادى بنفسه أو بمناديه في قومه في مجمعهم أو فيما بينهم- بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم- متبجحا مفتخرا مغرورا بملك مصر وتصرّفه فيها أليس لي ملك مصر لا ينازعني فيه أحد ولا يخالفني فيه مخالف، وهذه الأنهار تجري من تحتي، أنهار النيل وفروعه وهي تجري من تحت قصري أو بين يدي في جناني. أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، ومايظنّ فرعون أن تبيد هذه أبدا ... مفتخرا مغرورا بما ملك، وما قد مكّن له من الدنيا استدراجا من الله له. وحسِب-وهما منه- أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحول منه وقوة، وأنّ موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة، وهذا أشدّ الوهم من فرعون، إذ خيّل إليه أن ما قاله حجة وهو ليس بذلك، ثمّ احتج بتلك الأوهام على جهلة قومه-مخادعا لهم- بأنّ موسى

(1) قال الألوسي: (وهذا المعنى عندى حسن جدا واليه ذهب جماعة) روح المعاني (16/ 217) ،وانظر: تفسير الطبري (16/ 176) .

(2) [طه:71] .

(3) تفسير أبي السعود (6/ 29) وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 160) وتفسير الطبري (16/ 189) وتفسير الثعالبي (3/ 33) .

(4) [الزخرف:51 - 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت