أصروا على موقفهم، وأظهروا استعدادا للتضحية بأرواحهم في سبيل إيمانهم. وكان هذا كافيا لإخراج فرعون من وهمه وغروره، لولا أنّه وصل مرحلة من الوهم والغرور لم يعد قادرا معها على رؤية الحقائق مهما سطعت.
وهذه زوجته التي عاشت حياة الترف والقصور .. ها هي تفاجئ فرعون بإيمانها، لعله يستيقظ من وهمه أو يترك غروره، يقول تعالى:''وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنّة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين'' [1] ،ومع هذا لم يتيّقظ ولم ينتبه، ممّا يدلّ على حالة مغرقة بالوهم والغرور.
وتظهر شخصية فرعون الواهمة المغرورة في قوله:''وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [2] '' [3] ،أي ما أشير عليكم إلا بما أراه صوابا، وما أعلمكم إلا ما علمت من الهدى والرشاد [4] ،فهو يتصور -وهما وغرورا-أن كلّ ما يقوله ويفعله صوابا لا شبهة فيه ولا ريبة، وهي ذات المعاني التي يروّجها المغرورون من الحكّام، فكلّ ما يفعلونه حكمة بالغة ومصلحة سابغة! بينما نلاحظ انتشار الفقر والمرض والجوع والمحسوبية والرشوة والتّأخر العلمي والاقتصادي ... ومع هذا فإنّ الزعيم يهدي ولا يُضلّ!
وهذا عكس الحقيقة التي قررها القرآن عن فرعون حيث يقول تعالى:''وأضل فرعون قومه وما هدى'' [5] .فبينما يخيّل إليه -وهما وغرورا-أنّ ما يراه هو الصواب والصلاح والرّشاد يقرر القرآن أنّه ضال ومضل، وأنّه سفيه [6] سخيف الرأي لم يرشدهم إلى نفع أو خير.
ويظهر وهمه وغروره في أسلوب ردّه على معجزات موسى عليه السّلام، حيث يقول:''فلنأتينّك بسحر مثله'' [7] ،أي (لنعارضنّك بمثل ما جئت به من السحر، حتى يتبيّن للنّاس أنّ الذى جئت به سحر يقدر على مثله الساحر) [8] ، (وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا، واعتقد من اعتقد منهم وأوهم من أوهم أن ماجاء موسى به عليه السلام من قبيل ما ما يأتونه من سحرهم، فلهذا
(1) [التحريم:11] .
(2) (الرشاد: ضد الغي تقول رشد يرشد مثل قعد يقعد رشدا بضم الراء وفيه لغة أخرى من باب طرب و أرشده الله والطريق الأرشد مثل الأقصد) مختار الصحاح، مادة: رشد (103) . (و الضلال ضد الرشاد) مختار الصحاح، مادة: ضلّ (160) .
(3) [غافر:29] .
(4) انظر: تفسير الطبري (24/ 59) .
(5) [طه:39] .
(6) (السفه الجهل بلغة كنانة ثم يكون لكل شيء، يقال للكافر سفيه، لقوله''سيقول السفهاء من الناس'' [البقرة:142] يعني اليهود. والجاهل سفيه، لقوله''فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا'' [البقرة:282] ... السفيه الجاهل والضعيف الأحمق ... وقيل السفه في اللغة الخفة) التبيان قي تفسير غريب القرآن (1/ 58) .
(7) [طه:58] .
(8) فتح القدير (3/ 370) وتفسير النسفي (3/ 58) .