فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 259

ذلك الإعجاب بالذّات وهو مرض يصل بصاحبه-إذا تضخَّم في نفسه وتعمَّق-أن يعبد ذاته؛ فكلما زاد إعجابه بذاته زاد تأليهه لنفسه حتى إذا تهيأت له الظروف المناسبة كما تهيأت لفرعون نصّب نفسه إلها من دون الله، أو هو الشعور بحب الإنتقام لأسباب كثيرة، أو الشعور بالنّقص حيث يُراد تعويض هذا النّقص بمظاهر الاستعلاء والتّرفع .. فإذا اجتمعت الإمكانيات وتلك الشخصية المريضة وُجِد السلوك الخطير في واقع الحياة. فقد تُوجد الشخصية الحاملة للمرض ولكنّها لم تجد فرصة للتعبير عن ذاتها، وهذا ما نفسر به خصومة بعض النّاس للطاغوت حتى إذا ما منحه الطاغوت بعضًا ممّا يُشبع به رغباته سكت عن المخاصمة وأصبح في سلك النّظام.

فالعلوّ الذي يُمارسه البشر سمة مخيفة مرعبة تجعلك تدرك مدى الخطورة التي مثّلتها شخصية فرعون حين تطاولت على خالقها وانفلتت من كلِّ القيم، فلا غرابة إذن حين نراه مستعليا متبجحا في سحق من سوّلت لهم أنفسهم الخروج عن سلطانه المزعوم، فها هو يقول بمليء فمه''وإنّا فوقهم قاهرون'' [1] .وهي نفس الكلمات التي نسمعها من فراعنة العصر مثل: سنسحق، وسنجتث، وسنلاحقهم في كل مكان، وليس لهم مكان آمن فوق الأرض ... وتلك هي (صفة الفوقية والمراد بها العلو من غير جهة، وقد قال فرعون: وإنّا فوقهم قاهرون، ولا شك أنّه لم يرد العلو المكاني) [2] .

كما أنّنا نلاحظ في خطابات فرعون وبياناته لقومه ثقته بكلّ كلمة يقولها، فلا يستثني أبدا! فليس عنده أدنى شك بقدرته واستطاعته على تنفيذ ما يقول، وذلك هو الشعور بالعظمة والاقتدار الذي ملأ نفس فرعون ففاضت به كلماته وتصرفاته، ومن هنا كان (تفسير ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء) [3] .

إنّ توفر أسباب القوة والذي نشاهده اليوم عند من لا قيم عنده ولا أخلاق لهو ما يُنذر بالخطر، ويجعل البشرية جمعاء تعيش حالة من الخوف والرعب والترقب والذل والإهانة؛ وقد ظهرت عليهم نزعة التسلط على رقاب النّاس واستعبادهم لشهواتهم ونزواتهم ومصالحهم، بل سولت لهم أنفسهم إخضاع النّاس لتصوراتهم ومعتقداتهم وطريقة ومنهج حياتهم. فلم يعودوا يروا سوى أنفسهم.

إنّ النّظام العالمي الجديد-والذي تحاول قوى البغي أن تفرضه على الشعوب-إفراز حتميّ لتلك النزعة الفوقية، وهذا يعني بالتأكيد أنّ هذا النّظام لا يُبنى إلاّ على حطام الإنسانية وتحطيمها، وهو عين ما نشاهده من تدمير للعلاقات الإنسانية في جميع أشكالها، فانتشرت الأمراض

(1) [الأعراف:127] .

(2) اتقان ما يحسن من الأخبار (2/ 19) .

(3) الباقلاّني: أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، إعجاز القرآن، جزء واحد، تحقيق: عماد الدّين أحمد حيدر، ط 3،مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان،1416 هـ-1995 م. (93 1) وسأشير إليه لاحقا هكذا (اعجاز القرآن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت