في الأرض، وادعى الربوبية لنفسه، وصار غالبا قاهرا متطاولا على الله، مترفعا عن عبادته، عاليا على من تحت يده في الأرض [1] ،قائلا بلسان الحال والمقال: من أشدّ منّي قوة!
ويبرز الاستعلاء بأبشع صِوَرِهِ في حياة فرعون حين حشر''فنادى فقال أنا ربكم الأعلى'' [2] ،وهذه أشدُّ حالات الإستعلاء البشري حيث أدت إلى استضعاف الآخرين واستخفافهم وإذلالهم للتمكن منهم. وإلى هذه الحالة المَرَضية تعود طائفة كبيرة من المصائب والمحن والابتلاءات التي يعاني منها البشر قديما وحديثا.
إنّ تطاول الزمن على فرعون وهو يملك الثروة والمال والجاه والسلطان والقوة البدنية والعسكرية ... أدخل في نفسه العلوّ، يقول تعالى:''كلاّ إنّ الإنسان ليطغى، أن رآه اسغنى'' [3] ،وهذا يعني أنّ الغالبية من البشر لا يشكرون حين يستغنون، وهو ذات المعنى الذي نفهمه من قوله تعالى:''وقليل من عبادي الشكور'' [4] ؛فحقيقة الشكر (الإعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية، وقليل من يفعل ذلك لأنّ الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية بحسب سابق التقدير) [5] .
لقد غابت عن فرعون-غفلة منه-الحقيقة الباقية''وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور'' [6] ،فالحياة في الأرض قصيرة محدودة بأجل، متاع الغرور، تخدع من غفل قلبه عن المتاع الذي يدوم ولا ينقضي. وهكذا خُدع فرعون بما ظنّ أنّه كثير وهو-مع الدنيا-بأسرها لا يعدل عند الله جناح بعوضة، يقول تعالى:''وفرحوا بالحياة الدّنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ متاع'' [7] ،وتلك علة يُعاني منها كثير من البشر.
لم يخرج فرعون عن تلك القاعدة فبدّل نعمة الله كفرا، حين ثبت ملكه وكثر جنده، وغمرته الخيرات والأرزاق، فأنهار مصر تجري من تحته ولا يُشق له عصا؛ فاستغرق في المتاع وخلا قلبه
(1) انظر: تفسير القرطبي (8/ 370، 13/ 248) وتفسير النسفي (2/ 138،3/ 138،226) وتفسير أبي السعود (4/ 171،7/ 2) والسيوطي: أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن الكمال (849 - 911 هـ) ،وجلال الدين محمد بن أحمد، تفسير الجلالين، ط 1، دار الحديث، القاهرة. (1/ 279) .وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير الجلالين) ،والواحدي: أبو الحسن، علي بن أحمد، (ت 468) ، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، جزءان، تجقيق: صفوان عدنان داوودي، ط 1، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، بيروت،1415 هـ. (1/ 506) .وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير الواحدي) ،وابن الجوزي: أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد، (508 -597 هـ) ،تذكرة الأريب في تفسير الغريب، جزء واحد، المكتب الإسلامي، بيروت، 1404 هـ. (240) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تذكرة الأريب في تفسير الغريب) .
(2) [النّازعات:24] .
(3) [العلق:6،7] .
(4) [سبأ:13] .
(5) تفسير القرطبي (14/ 276) .
(6) [آل عمران:185] .
(7) [الرعد:26] .