فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 259

لقد كان فرعون أول الممتنعين عن قبول الحق، وأول الداعين إلى رفضه وعدم قبوله ترفعا وتكبرا وتعظّما عن الإيمان بالله وعبادته، وكان من الآثمين الخاطئين [1] ،يقول تعالى:''ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين، فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون، فكذبوهما فكانوا من المهلكين'' [2] .

ولقد تضمنت هذه الآيات الإشارة إلى كبر فرعون وملئه بشقيه:

الأول: الإمتناع عن قبول الحق بعد الآيات والسلطان المبين كراهية منهم للحق، لأنّه يخالف شهواتهم وأهواءهم ومصالحهم [3] ،يقول تعالى:''بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون'' [4] ؛فهو ينسف قيمهم الباطلة التي عليها يقتاتون وبها يعيشون، لأنّ الحق لا يدور مع الهوى، وسيأتي بيان هذه النقطة لاحقا.

الثاني: احتقار الناس، وهذا جليّ من قولهم:''وقومهما لنا عابدون'' (مسخرون خاضعون. وهي أدعى-في إعتبار فرعون وملئه-إلى الاستهانة بموسى وهارون! فأمّا آيات الله التي معهما، وسلطانه الذي بأيديهما، فكل هذا لا إيقاع له في تلك القلوب المطموسة) [5] ،والسبب في تلك الانتكاسة نابع من إعجاب المستكبر بنفسه، فيرى نفسه أكبر من غيره، وتلك هي العلة الكامنة من وراء قول الملأ من قريش:''لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم'' [6] ،ويقصدون بذلك سادة القبائل في مكة والطائف، ممّن لهم الجاه والسلطان.

إنّ الكبر [7] داء خطير أفرز شخصية تسلطية رافضة للحق والحقيقة، لذلك توجه موسى عليه السلام إلى ربه ملتجئا ومستعيذا به جلّ شأنه (من كل متكبر عليه، تكبر عن توحيده والإقرار بألوهيته وطاعته) [8] .''وقال موسى اني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب'' [9] .أي من كل (متعظم عن الإيمان بالله غير مؤمن بالبعث والنشور، ويدخل فرعون في هذا العموم دخولا أوليا) [10] .وقال: من كل متكبر (لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة

(1) انظر: تفسير الطبري (11/ 145) وتفسير البغوي (3/ 310) وزاد المسير (5/ 475) وتفسير النسفي (3/ 123) .

(2) [المؤمنون:45 - 48] .

(3) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 162) .

(4) [المؤمنون:70] .

(5) في ظلال القرآن (6/ 31) .

(6) [الزخرف:31] .

(7) ومن الكبر الخيلاء، حيث ورد في الحديث، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:''بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة''صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم، (3/ 1285) رقم (3297) .إذا كان هذا في جرّ إزار فكيف بمن ادعىأنّه رب يعبد؟!

(8) تفسير الطبري (24/ 57) .

(9) [غافر:27] .

(10) فتح القدير (4/ 488) ،وانظر: زاد المسير (7/ 216) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت