فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 259

وكما أنّه ادعى الألوهية كذلك ادعى الربوبية،''فقال أنا ربكم الأعلى'' [1] ،أي لارب لكم فوقي، وكل رب دوني وكذب الأحمق ... وقيل: كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، فقال أنا رب أصنامكم. وقيل: أراد القادة والسادة هو ربهم، وأولئك هم أرباب السفلة [2] .

(والذي يغلب على الظنّ ويقتضيه أكثر الظواهر أنّ اللعين كان يعرف الله عز وجل، وأنّه-سبحانه-هو خالق العالم، إلاّ أنّه غلبت عليه شقوته، وغرتّه دولته، فأظهر لقومه خلاف علمه، فأذعن منهم له من كثر جهله ونزر عقله. ولا يبعد أن يكون في الناس من يذعن بمثل هذه الخرافات ولا يعرف أنها مخالفة للبديهيات ... وأمّا من له عقل منهم ولا يخفى عليه بطلان مثل ذلك فيحتمل أن يكون قد وافق ظاهرا لمزيد خوفه من فرعون، أو مزيد رغبته بما عنده من الدنيا) [3] .

(إنّ فرعون لم يكن يدّعي الألوهية بمعني أنّه هو خالق هذا الكون ومدبره، أو أنّ له سلطانا في عالم الأسباب الكونية. إنّما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل! بمعنى أنّه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقوانينه، وأنّه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى الأمور. وهذا ما يدّعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقوانينه، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره -وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي- كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك، كما هو ظاهر من قول الملأ له:''ويذرك وآلهتك''،وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنّما كانوا يعبدونهم بمعنى أنهم خاضعون لما يريدوه بهم، لا يعصون له أمرا، ولا ينقضون له شرعا .. وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة، فأيّما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه) [4] ،وذلك هو تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى عن اليهود والنّصاري:''اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله'' [5] ،- عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانيا جاء ليسلم - فقال: يا رسول الله ما عبدوهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:''أمّا إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنّهم

(1) [النّازعات:24] .

(2) انظر: تفسير القرطبي (19/ 202) وتفسير الطبري (30/ 40) والبغوي: أبو محمد، الحسين بن مسعود الفراء، (ت 516) ، معالم التنزيل،4 أجزاء، تحقيق: خالد العك - مروان سوار، ط 2، دار المعرفة، بيروت، 1407 هـ - 1987 م. (4/ 444) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (تفسير البغوي) ،وابن الجوزي: أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد، (508 -597 هـ) ، زاد المسير في علم التفسير،9 أجزاء، ط 3، المكتب الإسلامي، بيروت، 1404 هـ. (9/ 21) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (زاد المسير) .

(3) روح المعاني (19/ 74) مع بعض التصرف.

(4) في ظلال القرآن (3/ 306) .

(5) [التوبة:31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت