فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 259

من المناسب في هذا المقام أن نشير إشارة موجزة إلى مبدأ التَّقِيَّة، وهي (أن يقي نفسه من اللائمة أو من العقوبة بما يُظهِر وإن كان على خلاف ما يضمر) [1] ،وذلك لشدة ارتباطه بمسألة التَّخفي وكتمان الإيمان، ولأنّه من المواضيع المُلحة في هذا الزمان حيث يُنكَّل بالمسلمين عموما وبالمجاهدين على وجه الخصوص، وهم يُواجهون الطواغيت التي لا ترحم أبدا. يقول تعالى:''لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير'' [2] .أي (من خاف في بعض البلدان والأوقات من شر الأعداء فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته) [3] ،وذلك معنى قوله تعالى:''إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان'' [4] ؛فمن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكرهًا لما ناله من ضرب وأذى، أو خاف على نفسه أو على عضو من أعضائه، وقلبه يأبى ما يقول فهو مباح له [5] ،ولكن (من أتى الكفر على اختيار واستحباب فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [6] .روى البخاري عن أبي الدرداء أنَّه قال:''إنّا لنكشر [7] في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم'' [8] ،وفي هذا دليل على جواز مخالفة الظاهر الباطن في بعض الأحوال.

لقد كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، أي وهم مستضعفون لأنّه لا يلجأ القوي المنيع للتقية أبدا، وهي-أي التقية-أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان. ولا تُقية في القتل أي قتل مسلم محرم الدم، ولا يأتي مأثما، وهي جائزة للمسلم إلى يوم القيامة في كل مرحلة يكون فيها مستضعفا أو مغلوبا على أمره، وللمؤمن إذا كان قائما بين الكفار أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أكره على الكفر فله أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر من باب العزيمة، وإلاّ فإنّه يجوز له ذلك [9] .

فالتقية لا تُباح ولا تجوز إلاّ بشروط وظروف مخصوصة كما ذكر ذلك الفقهاء والعلماء، وليس هنا تفصيل تلك المسألة ولكن أحببت الإشارة إليها لأنّها ممّا يمُس واقع

(1) المغرب، مادة: وقي (2/ 367) .

(2) [آل عمران:28] .

(3) تفسير ابن كثير (1/ 358) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير النسفي (1/ 149) .

(4) [النحل:106] .

(5) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 588) وتفسير أبي السعود (5/ 143) .

(6) تفسير الطبري (14/ 182) .

(7) 1369 (الكَشْرُ بدو الأسنان عند التبسم. ويقال: في غير ضحك كشر عن أسنانه إذا أبداها) العين، باب الكاف والشين والراء (5/ 291) .

(8) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس (5/ 2271) أخرجه البخاري في المعلقات.

(9) انظر: تفسير القرطبي (4/ 57) وتفسير الطبري (3/ 228) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت