في الزمان أو في الرتبة، فإنّ الإستقامة لها الشأن كله، وما روى عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم في معناها من الثبات على الإيمان، وإخلاص العمل، وأداء الفرائض بيان لجزئياتها، تتنزل عليهم الملائكة من جهته تعالى، يمدونهم فيما يعن لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام) [1] ،ويؤكّد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلّم:''قل آمنت بالله ثمّ استقم'' [2] ، (فالإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده ... ولا يطيقها إلاّ الأكابر لأنّها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق) [3] .
إنّ الاستقامة تجلب الخير الكثير، يقول تعالى:''وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا'' [4] ،أي (لو استقاموا على الطريقة طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين لأسقيناهم ماء كثيرا) [5] .
أمّا الأمر الثاني فيتمثل بعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون الحق ولا يهتدون إلى حقيقة، فهم في ريبهم يترددون، وعلى المصير قلقون، فمن لم يجعل الله نورا فما له من نور، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. يقول تعالى:''ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون'' [6] ،أي (ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلان قضائي، فإنّ وعدي لا خالف له، وإنّ وعيدي نازل بفرعون وعذابي واقع به وبقومه) [7] ؛فالإستعجال دليل ضعف وقصر نفس، ويؤدي إلى التساقط على الطريق وعدم إكمال المشوار إلى غايته.
إنّ الإستقامة على المنهج وعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون ركن أساسي في الإنتصار على الطاغوت، فالتفريط كالإفراط يُطيل المسافة ويُكثر من التضحيات، وإنّ أقصر الطرق وأقلها كلفة هي الطريق التي أرشد الله موسى إليها بالإستقامة وعدم المداهنة مع الطاغوت. يقول الله تعالى:''ودّوا لو تُدهن فيدهنون'' [8] .أي ودُّوا لو تلين في دينك فيلينون في دينهم؛ ذلك أنّ المداهنة مصانعة
(1) تفسير أبي السعود (8/ 13) .وانظر: تفسير البيضاوي (5/ 179) وتفسير الطبري (24/ 116) وتفسير الواحدي (2/ 955) وتفسير البغوي (4/ 114) .
(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام (1/ 65) رقم (38) .
(3) شرح النّووي على صحيح مسلم (2/ 9) مع بعض التصرف.
(4) [الجن:16] .
(5) تفسير القرطبي (19/ 18) .وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 432) وتفسير الطبري (29/ 114) .
(6) [يونس:89] .
(7) تفسير الطبري (11/ 161 - 162) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير البيضاوي (3/ 213) وتفسير أبي السعود (4/ 172) وتفسير الواحدي (1/ 507) وتفسير البغوي (2/ 366) وفتح القدير (2/ 469) .
(8) [القلم:9] .