فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 277

ومثال آخر على موانع التكفير، العجز، أن النجاشي كان ملك النصارى في الحبشة، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، ولم يدخل معه سوى نفر يسير منهم، فلما مات، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى، فصفهم صفوفًا، وصلى عليهم وأخبرهم بموته يوم مات فقال: قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه [1] . وكثير من شرائع الإسلام لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك يظهر عند قومه فينكرون عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم ويعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، لأن قومه لا يقرونه على ذلك، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:"وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (آل عمران، آية: 199) .

وقال بعض العلماء هذه الآية: إنها نزلت في النجاشي، ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه [2] ، وكذلك ما أخبر به عن حال مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وعن حال إمرأة فرعون، وكما كان يوسف الصديق ـ عليه السلام ـ مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، لأنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه [3] .

إن من عجز عن أداء ما شرع الله عليه، واتقى الله ما أستطاع، فإنه معذور، غير مؤاخذ على ما تركه.

(1) مسلم (3/ 55) كتاب العجائز.

(2) فتاوى (19/ 217ـ 219) .

(3) تفسير الطبري (4/ 218ـ 219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت