فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 405

وَيُزَكِّيهِمْوَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٍ آل عمران/164. والمنُّ هنا يشمل بعثَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكونه منهم، وأنه يتلو عليهم الآيات ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.

يقول الآمدي: «مذهب أهل الحق أنَّ النُّبوات ليست واجبة أن تكون، ولا ممتنعة أن تكون، بل الكون وعدم الكون سيَّان» [1] أي عقلًا.

وهذه المسألة فرع عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فالشِّيعة والمعتزلة يقولون بأنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأشياء ذاتي، ومن ثم فللعقل أن يحسِّن أو يقبِّح تبعًا لذلك [2] ، وأما رأي أهل السُّنَّة في مسألة اللُّطف فَهو كرأيهم في أصلها، أنَّه لا حاكم على الله سبحانه وتعالى، فهو يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، وإبطال الأصل إبطال للفرع، فالحَسَنُ عندهم ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والقبيحُ ما ورد الشرعُ بالذم على فاعله، أو تقبيح العقل له باعتبار أمور خارجية ومعان مفارقة [3] ، إذ رُبَّ شيءٍ حكَمَ عليه عقلُ إنسانٍ ما بكونه حسنًا لكونه موافقًا لغرضه، أو لما فيه من مصلحته أو دفع مفسدته، أو لكونه جاريًا على مقتضى عادته وعادة قومه عرفًا أو شرعًا، وقد يحكم عليه عقل غيره، بكونه قبيحًا لكونه مخالفًا له، فيما وافق غرضه، وذلك كالحكم على ذبح الحيوان بالحُسْنِ والقُبْحِ بالنسبة إلى أهل الشرائع المختلفة، وكالحكم بقبح الكذب الذي لا غرض فيه، وحُسنِه إذا قصد به حقن دم نبيٍّ أو وليٍّ من غاشم يقصد قتله [4] .

وأما قولُهم بأن اللُّطف واجب على الله تعالى وأن الوجوب هنا كقولنا عنه سبحانه (واجب الوجود) فليس هذا القول سديدأً؛ لأن قولنا إنه واجب الوجود عقلًا سببه أن كل ما في الكون يدل على ذلك، لاستحالة وجود هذا الكون دون وجوده سبحانه، وهذا ليس مثلَ مسألة (وجوب اللُّطف) في الوضوح، فجائزٌ عقلًا أن

(1) غاية المرام للآمدي: ص 318.

(2) غاية المرام للآمدي: ص 233. نهاية الإقدام للشهرستاني: ص 371. الأربعين للرازي: 1/ 346. الغنية في أصول الدين لعبد الرحمن المتولي النيسابوري: ص 136. الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 113. غاية البيان للرملي: ص 16. وانظر في مسألة الحسن والقبح: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي: ص 210 - 219.

(3) البحر المحيط للزركشي: 5/ 124 الركن الرابع من أركان القياس: العلة، مسألة (لا بد للحكم من علة) . الغنية في أصول الدين لعبد الرحمن المتولي النيسابوري: ص 135. غاية المرام للآمدي: ص 233. الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 101. منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 1/ 281. المواقف للإيجي: 3/ 283. شرح المواقف للجرجاني: 8/ 195، 348. حاشية خيالي: ص 198. نهاية الإقدام للشهرستاني: ص 370. المسايرة ومعه المسامرة رسالة دبلوم: ص 303. شرح النووي على مسلم: 12/ 205.

(4) وقد ذكر ابنُ تيمية أنَّ بعضَ أهل السنُّة قال بالتحسين والتقبيح العقليين انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 1/ 144. 1/ 448 - 449، 450، 3/ 28 - 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت