الخلافة - خليفةً شرعيًا، فناهضه مروان بن الحكم مخالفًا بذلك حكمًا شرعيًا!! [1] فقد كان أمر الخلافة خاضعًا للشوكة فقط، فمن كان قويًا وفرض نفسه بالقوة كانت له الخلافة، وقد عبَّر عن هذا الواقع مروانُ بن الحكم بعد موت يزيد فقال:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا [2]
وكانت بداية ظهور أمر مروان بن الحكم - بعد إشارة عبيد الله بن زياد عليه بأن يرشح نفسه للخلافة - عندما عقد بنو أمية مؤتمرًا في بلدة الجابية بايعوا فيه لمروان بن الحكم بعد أن رفضوا أن تنتقل الخلافة إلى أهل الحجاز [3] ، وأيَّده بقية الأمراء حفاظًا على سلطان بني أمية، وبايعوا مروان بن الحكم، وبقي عليهم ليدخلوا دمشق أن يقاتلوا الضحاك بن قيس الفهري الذي كان يعسكر في مرج راهط [4] بعدما رفض الذهاب إلى مؤتمر الجابية، ومعه جيش قوامه ستون ألفًا أو مائة ألف على خلاف، فاقتتلوا ومروان يومئذ في جيش صغير من بني أمية ومواليهم وأتباعهم من أهل الشام قُدِّر بثلاثة عشر ألفًا، وقتل الضحاك بن قيس وانصدع الجيش، ودخل مروان بن الحكم دمشق ظافرًا ونزل دار الإمارة، بعد أن بقيت الشام بعد معاوية بن يزيد دون خليفة أو حكومة نحو ستة أشهر، ثم تتابعت انتصارات مروان، فانضمت فلسطين إلى دمشق بعد هروب أميرها ناتل بن قيس
(1) وقد وثب المختار بن أبي عبيد على العراق أيضًا قبل أن يقاتله ابن الزبير ويقتله.
(2) سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/ 216، 227. وأبو ليلى هو معاوية بن يزيد بن معاوية. انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 210 - 211. طبقات ابن سعد: 4/ 169. وانظر المعجم الكبير للطبراني: 1/ 290 رقم ... (852) .
(3) انظر عن تفاصيل مؤتمر الجابية الذي كان يمثل السند السياسي لمروان بن الحكم والذي دعا بعده لمقاومة الضحاك بن قيس ممثل ابن الزبير في دمشق: الكامل لابن الأثير: 3/ 477 وما بعدها. مؤتمر الجابية لإبراهيم بيضون: 1/ 149. تطور الفكر السياسي ليوجه سوي: ص 51. الإمامة والسياسة المنسوب للدينوري: ص 136، 137. مروج الذهب للمسعودي: 1/ 385. البداية والنهاية: 8/ 263 وما بعدها. الكامل لابن الأثير: 3/ 477 وما بعدها. وانظر عبد الملك بن مروان والدولة الأموية للدكتور ضياء الدين الريس: ص 25. عبد الملك بن مروان لعمر أبو النصر: ص 18 - 19.
(4) مرج راهط: بكسر الهاء وبالطاء المهملة معروف بالشام على أميال من دمشق. معجم ما استعجم للبكري: 2/ 630. وانظر الإمامة والسياسة المنسوب للدينوري: ص 168. مروج الذهب للمسعودي: 1/ 386. البدء والتاريخ للمقدسي: 6/ 19. تكوين الاتجاهات السياسية في الإسلام الأول للدكتور إبراهيم بيضون: ص 211 وما بعدها.