أحدهما: أن العلة في هذا هو انشغال القلب بحضور الطعام, وانشغال القلب لا يوجب بطلان الصلاة كما في حديث الوسوسة أن الشيطان يأتي إلى المصلي اذكر كذا؛ اذكر كذا؛ لما لم يكن يذكر؛ فيظل لا يدري كم صلى.
الوجه الثاني: أن حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) قد صرح أن المراد به نفي الصحة حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل صلاته وعلل ذلك بأنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف, وفي حديث وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته.
وبهذا تبين أن القول الراجح وجوب المصافة, وأن من صلى وحده خلف الصف فصلاته باطلة, وعليه أن يعيدها؛ لتركه واجب المصافة, ولكن هذا الواجب كغيره من الواجبات يسقط بفوات محله, أو بالعجز عنه عجزًا شرعيًا, أو عجزا حسيًا لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16)
وقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . فيجب أن يكون في الصف حيث وجد مكانًا فيه, فإن لم يجد مكانًا سقط عنه هذا الواجب, وكذلك إن لم يكن له مكان شرعًا فإنه يسقط عنه الواجب.
مثال الأول: إذا وجد الصف تامًا فله أن يصلي وحده لأنه لا واجب مع العجز.
ومثال الثاني: إذا كانت امرأة مع رجال فإنها تصلي وحدها خلف الصف كما ثبتت به السنة, وهذا الذي جاءت به السنة يمكن أن يكون أصلًا يقاس عليه صلاة الرجل وحده خلف الصف إذا لم يجد مكانًا فيه؛ لأن التعذر الحسي كالتعذر الشرعي.
ويوضح ذلك: أن الرجل إذا جاء ووجد الصف تامًا فأما أن يتقدم ويقف بجنب الإمام, أو يجذب واحدًا من الصف ليقف معه, أو يصلي وحده منفردًا عن الجماعة أو يصلي مع الجماعة, خلف الصف.
فأما تقدمه إلى جنب الإمام ففيه:
1 -مخالفة السنة بإفراد الإمام وحده ليتميز عن المأمومين بتقدمه عليهم مكانًا وأفعالًا, ولا يرد على هذا وقوف النبي صلي الله عليه وسلم إلى جانب أبي بكر, لأن الذي جاء ووقف هو الإمام وقف إلى جانب نائبه, وأيضًا فإن أبا بكر لا يمكنه الرجوع إلى الصف, وأيضًا فإن من مصلحة الجماعة أن يكون إلى جنب النبي ليبلغهم تكبيره ..
2 -وفي المأموم الذي وجد الصف تامًا إلى جنب الإمام إيذاء للجماعة الذين سيتخطاهم ليصل إلى الإمام.
3 -وفيه تفويت للمصافة لمن جاء بعده, فإنه لو قام وحده وجاء آخر صار صفًا.
وأما جذبه واحدًا من المأمومين ليقف معه ففيه ثلاثة محاذير:
أحدهما: فتح فرجة في الصف, والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالمراصة ونهى أن ندع فرجات للشيطان.
الثاني: أنه ظلم للمجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.
الثالث: أنه يشوش عليه صلاته, وربما ينازعه ويشاتمه إذا فرغ منها, ولا يرد على هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن رآه يصلي وحده خلف الصف (ألا دخلت معهم أو اجتررت أحدًا) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
وأما تركه الجماعة وصلاته منفردًا فهو ترك لواجب الجماعة مع القدرة عليه فيكون وقوعًا في المعصية. وأما صلاته مع الجماعة خلف الصف قيام بالواجب عليه بقدر المستطاع, فإن المصلي مع الجماعة يلزمه أمران:
أحدهما: الصلاة في الجماعة.
والثاني: القيام في الصف معهم, فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر.
فإن قيل: إن قوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) عام ليس فيه تفصيل بين تمام, وعدم تمامه.
فالجواب: أن هذا دال على بطلان الصلاة للمنفرد لتركه واجب المصافة, فإذا لم يقدر عليه سقط عنه, والنبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يبطل صلاته لتركه ما لا قدرة له عليه ,ونظير هذا الحديث قوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) , وقوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لا وضوء له) إن صح هذا, فإن لم يقدر على الفاتحة, أو على الوضوء صلى بدونهما, وأجزأته صلاته لكنه يقرأ من القرآن, ويتيمم إن عجز عن الوضوء.
وخلاصة الجواب: أن المصافة واجبة, وأن من جاء وقد كمل الصف فإنه يصلي مع الجماعة خلف الصف, ولا يتقدم إلى الإمام ليصلي إلى جنبه, ولا بجذب أحدًا من الصف ليقف معه, ولا يترك صلاة الجماعة.
وجواز صلاته الجماعة منفردًا عن الصف للعذر هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ,وشيخنا عبد الرحمن سعدي وبعض قول من يرى الجواز منطلقًا. والحمد لله رب العالمين.
مصدر الفتوى:مجموع رسائل وفتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين