وأطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لي بخراسان ميراثا فاكتبوا لي إلى بجير كتابا ليعينني على حقي، فكتبوا له، وسار فقدم على بجير وهو مع المهلب في غزوته فلقي قوما من بني عوف فأخبرهم أمره ولقي بجيرا فأخبره أنه من بني حنيفة من أصحاب ابن أبي بكرة، وإن له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه ويعود إلى اليمامة، فأنزله بحير، وأمر له بنفقة ووعده.
فقال صعصعة: أقيم عندك حتى يرجع الناس، فأقام شهرا يحضر معه باب المهلب وكان بحير قد حذر فلما أتاه صعصعة بكتاب أصحابه، وذكر أنه من حنيفة أمنه، فجاء يوما صعصعة وبجير عند المهلب عليه قميص ورداء فقد خلعه ودنا منه كأنه يكلمه فوجأه بخنجر معه في خاصرته فغيبه في جوفه ونادى يالثارات بكير.
فأخذ وأتي به المهلب، فقال له: بؤسا لك ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك وما على بحير بأس.
فقال: لقد طعنته طعنة لو قسمت بين الناس لماتوا، ولقد وجدت ريح بطنه في يدي فحبسه، فدخل عليه قوم من الأبناء فقبلوا رأسه، ومات بحير من الغد، فقال صعصعة لما مات بحير: اصنعوا الآن ما شئتم أليس قد حلت نذور أبناء بني عوف، وأدركت بثأري؟ والله لقد أمكنني منه خاليا غير مرة فكرهت أن أقتله سرا.
فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا، وأمر بقتله فقتل.
وقيل: إن المهلب بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، ومات بحير بعده وعظم موته على المهلب وغضب عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما أخذ بثأره؟ فنازعهم مقاعس، والبطون وكلهم بطون من تميم حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجى، احملوا دم صعصعة واجعلوا دم بحير ببكير فودوا صعصعة.